إسرائيل والإخوان يدفعان الشارع الباكستاني نحو التعاطف مع طهران-

إعداد: وحدة الشؤون الدولية- مركز إندس للدراسات الباكستانية-
شهدت الساحة السياسية والدينية والإعلامية في باكستان خلال الفترة الأخيرة موجة واسعة من التعاطف الشعبي مع طهران في سياق الحرب المتصاعدة بينها وبين إسرائيل. وقد بدا هذا التعاطف لافتًا للنظر، خصوصًا في بلدٍ يضم تيارات دينية وسياسية متباينة، بعضها عُرف تاريخيًا بانتقاد إيران ورفض سياساتها الطائفية أو حتى تكفيرها. ومع ذلك، فإن المشهد العام في الشارع الباكستاني أظهر اصطفافًا واسعًا إلى جانب إيران، وهو ما يثير تساؤلات حول العوامل الحقيقية التي دفعت إلى هذا التحول.
إسرائيل كعامل تعبئة رئيسي
العامل الأول والأبرز في تفسير هذا التعاطف يتمثل في طبيعة الطرف المقابل لإيران في هذه الحرب، وهو إسرائيل. فإسرائيل تُعد في الوعي الشعبي الباكستاني دولةً مرفوضة على نطاق واسع، ليس فقط بسبب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل أيضًا نتيجة السياسات الإسرائيلية القائمة على الكراهية والعنصرية واستهداف كل ما هو إسلامي. كما أن الخطاب السياسي والديني الذي ترسّخ لعقود داخل المجتمع الباكستاني ساهم التعاطف الشعبي مع طهران. ولذلك فإن أي صراع تكون إسرائيل طرفًا فيه يميل الرأي العام الباكستاني تلقائيًا إلى التعاطف مع الطرف المقابل لها.هذا العامل يفسر إلى حد كبير ظاهرة اصطفاف شرائح واسعة من المجتمع الباكستاني مع إيران، حتى من داخل جماعات دينية سنيّة عُرفت تاريخيًا بمواقف حادة تجاهها. ففي لحظة المواجهة مع إسرائيل تراجعت الخلافات المذهبية لصالح ما يُنظر إليه كصراع أوسع مع “العدو المشترك”. فمثلا خطيب جامع لال مسجد في إسلام آباد المفتي عبدالعزيز أعلن تضامنه مع طهران ضد إسرائيل رغم أن المفتي عبدالعزيز أفتى بتكفير الشيعة وتحريم التعامل معهم والزاوج منهم بشكل علني. فيما أعلنت أغلب الجماعات الدينية السنية في باكستان تضامنها مع طهران في حربها ضد إسرائيل. ومن أبرز هذه الجماعات جمعية علماء الإسلام، ومجلس الاتحاد السني، والرابطة الإسلامية المركزية( حركة لشكر طيبة الجهادية السلفية)، وجمعية المنهاج الدولي، تنظيم الدعوة الإسلامية، والمفتي تقي عثماني والداعية طارق جميل والمفتي منيب الرحمن وغيرهم من الجمعيات الدينية ورجال الدين. هنا ركزنا على الجانب الديني لأن إيران ينظر إليها في باكستان من زاوية مذهببة وليس سياسية. فالتحول المفاجئى في مواقف هذه الجماعات الدينية تجاه طهران من مواقف سلبية إلى إيجابية وداعمة هو المثير للانتباه. أما الأحزاب السياسية فمواقفها تتغير بتغير المصالح. وهكذا تحولت الحرب في الخطاب الشعبي من نزاع إقليمي بين دولتين إلى مواجهة رمزية بين إسرائيل وخصومها في المنطقة. وكان من المفترض أن يتمسك الجمهور السني بموقفها الثابت تجاه طهران ويتبنوا الدبلوماسية المتوقعة: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين” ولكن بسبب إسرائيل تحول الشعب الباكستاني من متفرج على أدراج الملعب إلى طرف متورط في اللعبة وتبني سياسة التضامن والتعاطف مع طهران.
هل موقف الدولة الباكستانية تغير؟
على المستوى الرسمي، حاولت الحكومة الباكستانية الحفاظ على خطاب متوازن يجمع بين إدانة التصعيد الإسرائيلي والدعوة إلى التهدئة. فقد شدد مسؤولون في الحكومة على ضرورة خفض التوتر في المنطقة وتجنب انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع، مع التأكيد على دعم باكستان لطهران في الدفاع عن نفسها. وفي أول ايام الحرب أدانت الخارجية الباكستانية الهجوم الإسرائيلي على طهران وأعلنت تضامنها مع إيران، إضافة إلى مطالبتها من طهران عدم استهداف الدول الخليجية. هذا الخطاب الرسمي يعكس تقليدًا دبلوماسيًا باكستانيًا طويلًا يقوم على تجنب الانحياز الصريح في الصراعات الإقليمية المعقدة، خصوصًا تلك التي قد تؤثر على علاقات باكستان مع دول الخليج أو القوى الإقليمية الأخرى. غير أن هذا الحذر الرسمي لم يمنع تصاعد خطاب شعبي وإعلامي أكثر حدة تجاه إسرائيل وواشنطن وفي بعض الأحيان الهجوم على الدول الخليجية، وهو ما انعكس في المظاهرات والبيانات الصادرة عن أحزاب دينية وسياسية.
دور الجماعة الإسلامية في تشكيل الرأي العام
العامل الثاني الذي ساهم في تضخيم موجة التعاطف مع إيران يتمثل في الدور الذي لعبته الجماعة الإسلامية في باكستان، وهي التنظيم الذي يمثل الامتداد الفكري والسياسي لحركة الإخوان المسلمين في البلاد. فقد تبنت الجماعة خطابًا شديد التأييد لإيران في سياق الحرب، وقدمت الصراع بوصفه مواجهة بين إسرائيل ومحور مقاوم للهيمنة الغربية في المنطقة.وفي هذا السياق، استثمرت الجماعة عددًا من الأحداث الرمزية لتعزيز التعبئة الشعبية، ومن بينها الدعوة إلى إقامة صلاة الغائب على المرشد الإيراني بعد حادثة اغتياله، وهي خطوة حملت دلالات سياسية واضحة، إذ جرى تقديمها بوصفها تعبيرًا عن التضامن الإسلامي في مواجهة إسرائيل. كما طالبت الجماعة من الحكومة الباكستانية الانسحاب من لجنة السلام الدولية الخاصة بإدارة قطاع غزة، على اساس أن هذه اللجنة لم تعد لها شرعية دولية في ظل الانتهاكات الإسرائيلية والامريكية لسيادة الدول الإسلامية حسب وصف زعيم الجماعةحافظ نعيم الرحمن. كما قدمت الجماعة تبريرا لطهران في استهداف الدول الخليجية بحجة بأنها دول تابعة لواشنطن. فيما نظمت الجماعة الإسلامية احتجاجات تضامنية واسعة مع طهران في طول باكستان وعرضها للتعبير عن دعمهم لطهران ورفضهم للسياسات الإسرائيلية الأمريكية.
تعبئة الشارع ضد الحكومة
لم يقتصر نشاط الجماعة الإسلامية على التعبئة ضد إسرائيل وواشنطن والخليج، بل سعت أيضًا إلى توظيف هذه القضية في الصراع السياسي الداخلي. فقد تبنت خطابًا ناقدًا للحكومة، متهمة إياها بالتردد في اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل، وداعية إلى تبني سياسة خارجية أكثر حدة في دعم إيران إضافةإلى المطالبة بطرد السفير الأمريكي من باكستان احتجاجًا على الهجوم الأمريكي في إيران.ويأتي هذا التحرك في سياق سياسي داخلي معقد، حيث تسعى الجماعة الإسلامية إلى توسيع نفوذها الشعبي عبر تبني خطاب تعبوي يتقاطع مع المزاج العام في الشارع. كما أنها تحاول الاستفادة من حالة الاستقطاب السياسي القائمة في البلاد، خاصة مع استمرار شعبية عمران خان، زعيم حركة إنصاف الباكستانية، الذي ما يزال يُنظر إلى حزبه بوصفه أحد أكبر القوى السياسية في باكستان رغم وجوده خارج السلطة. فالجماعة تبنت سياسة الانتقاد لحكومة شهباز شريف لكسب الدعم والتأييد من حزب عمران خان لها.
الإعلام وصناعة المزاج الشعبي
ساهم الإعلام الباكستاني بدوره في تكريس هذا الاتجاه، إذ امتلأت البرامج الحوارية والتغطيات الصحفية بتحليلات تنتقد الولايات المتحدة وإسرائيل وتبرز الرواية الإيرانية للصراع وتبرر الهجوم الإيراني على الخليج. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في نشر خطاب التضامن مع إيران، حيث تداول ناشطون ومؤثرون رسائل تدعو إلى دعمها في مواجهة إسرائيل. وفي كثير من الحالات، جرى تصوير الصراع بوصفه اختبارًا لموقف العالم الإسلامي من القضية الفلسطينية، وهو إطار تحليلي ساعد على توسيع دائرة التعاطف الشعبي مع طهران، بغض النظر عن الخلافات المذهبية أو السياسية السابقة. فهنا أيضا نجد أن سياسات إسرائيل الطائفية الإجرامية دفعت الإعلاميين أيضا إلى التضامن مع طهران. فليس من المعقول أن نجد الشعوب والرؤساء والإعلاميين يتضامنون مع إسرائيل وإسرائيل تقتل الأطفال وتحرق الأوطان وتدمر البلدان. إذا أرادت إسرائيل فعلا كسب التضامن الدولي عليه أن تتبنى سياسة التسامح والتعايش واحترام حقوق الإنسان.
تراجع الاعتبارات المذهبية
اللافت في هذا المشهد أن الخلافات المذهبية التي لطالما شكلت عنصر توتر في العلاقة بين بعض التيارات السنية في باكستان وإيران بدت أقل حضورًا في الخطاب العام خلال هذه الأزمة. فقد تراجع الحديث عن هذه الخلافات لصالح خطاب يقوم على فكرة “وحدة الصف الإسلامي” في مواجهة إسرائيل.هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء تلك الخلافات نهائيا، لكنه يعكس قدرة الأحداث الكبرى على إعادة ترتيب أولويات الخطاب السياسي والديني في المجتمع الباكستاني، حيث يمكن لقضية خارجية ذات طابع رمزي قوي أن تتجاوز الانقسامات الداخلية مؤقتًا.
خلاصة
إن موجة التعاطف الباكستاني مع إيران في هذه الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن عاملين رئيسيين: أولًا، العداء الشعبي العميق لإسرائيل، الذي يدفع الرأي العام تلقائيًا إلى دعم أي طرف يواجهها؛ وثانيًا، الدور النشط الذي لعبته الجماعة الإسلامية في تعبئة الشارع عبر خطاب سياسي وديني يربط بين الصراع الحالي والقضية الفلسطينية.وبينما تحاول الدولة الباكستانية الحفاظ على توازن دبلوماسي دقيق، يبدو أن الشارع الباكستاني قد اختار بالفعل موقعه في هذه المعادلة، مدفوعًا بمزيج من العاطفة الدينية والاعتبارات السياسية والتعبئة الإعلامية. وهكذا تتقاطع عوامل خارجية وداخلية لتشكّل مشهدًا معقدًا، يصبح فيه الصراع الإقليمي أداةً لإعادة تشكيل الرأي العام والتحالفات داخل باكستان نفسها.




