الرياض وترامب وإيران: ما حقيقة تسريبات واشنطن بوست

كتبه/ محمد عامر خاکواني ( كاتب ومحلل باكستاني ).
ترجمة/ فريق مركز إندس للدراسات الباكستانية )-
تُعد كل من واشنطن بوست ونيويورك تايمز من كبريات الصحف الأمريكية، ولهما تأثير عميق وواسع على المستوى العالمي. في هذا المقال سنسلّط الضوء على تقرير حديث نشرته صحيفة واشنطن بوست بشأن الدور السعودي- الى جانب إسرائيل- في إقناع ترمب لمهاجمة إيران، غير أن العودة عقدين إلى الوراء واستحضار بعض محطات التاريخ الأمريكي يظل ضروريًا لفهم المشهد. فالتاريخ — كما يُقال — لا يكذب، ومن خلاله تبدو الوقائع الراهنة أكثر وضوحًا وشفافية.
في 20 مارس/آذار 2003 شنت الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا واسعًا على العراق. وقبل ذلك بشهرين أو ثلاثة، شهد الإعلام الأمريكي حملة مكثفة تحدثت عن امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل (WMD) يعتزم استخدامها ضد العالم. وكانت نيويورك تايمز وواشنطن بوست في صدارة تلك الحملة الإعلامية، وذلك عبر نشر تقارير صحفية ومقالات افتتاحية عديدة، إضافة إلى مقابلات مثيرة مع عراقيين منفيين معارضين لصدام. ومن خلال تلك الحملة جرى ترسيخ صورة لدى الرأي العام الأمريكي بأن صدام حسين شخصية شريرة وأن العراق تحت قيادته يمثل خطرًا على العالم، ما يستوجب تدخلًا عسكريًا أمريكيًا لوضع اليد على تلك الأسلحة المزعومة حمايةً للإنسانية. وكما فعلت نيويورك تايمز، تبنّت واشنطن بوست أيضًا موقفًا مؤيدًا للحرب، ونشرت في 17 مارس افتتاحية قوية اعتبرت فيها أن الأدلة قاطعة ولا تقبل الجدل، وأنه يجب التحرك ضد العراق عاجلا. وبعد ثلاثة أيام، بدأ الهجوم الأمريكي الذي أسقط نظام صدام حسين وأحكم السيطرة على البلاد. غير أن عمليات التفتيش المكثفة في بغداد ومدن أخرى لم تُسفر عن العثور على أي أسلحة دمار شامل. وأدى ذلك إلى إحراج بالغ للإدارة الأمريكية، كما تعرضت الصحيفتان لانتقادات شديدة وواسعة. وقد أقدمت نيويورك تايمز على نشر اعتذار رسمي لقرّائها، معترفة بأنها نشرت بعض التقارير دون تدقيق كافٍ. أما واشنطن بوست فلم تُبدِ الجرأة الأخلاقية ذاتها، لكنها أقرت في نقاشات داخلية وضمن أوساطها التحريرية بوقوع أخطاء في بعض التقارير المنشورة آنذاك.
هذه الحالة هي ما يصفه المفكر الأمريكي البارز نوم تشومسكي بمفهوم “تصنيع القبول” (Manufacturing Consent)، وهو عنوان كتابه الشهير. ويرى تشومسكي أن الإعلام قد لا ينقل الحقيقة أحيانًا، بل يسعى إلى دفع الجمهور نحو قبول الرواية التي تروج لها الدولة أو القوى النافذة.
نعود الآن إلى التقرير الأخير لواشنطن بوست، الذي ادعى أن السعودية، إلى جانب إسرائيل، حثّت الولايات المتحدة على مهاجمة إيران، وأن القيادة السعودية تواصلت مرارًا مع الرئيس دونالد ترامب وفريقه المقرّب لدفعه نحو هذا الخيار. فيما نفت السعودية رسميًا هذه المزاعم بشدة، وأعلنت عزمها اتخاذ إجراءات قانونية بحق الصحيفة، غير أن الضرر — وفق كاتب المقال — قد وقع بالفعل.
ويرى الكاتب أن التقرير يعاني من ثغرات وضعف مهني، ويفقد المصداقية. أولها اعتماده على مصدر مجهول. ويشير إلى أن اللجوء إلى “مصادر غير معلنة” في الصحافة غالبًا ما يُستخدم عندما تكون أسس الرواية ضعيفة ويكون الهدف أكبر من الوقائع. فخبر بهذه الدرجة من الحساسية، يمس علاقات دولتين، وكان من المفترض أن يخضع لتحقيق دقيق قبل النشر وأن يُدعم بأدلة واضحة، لا سيما أن تجارب سابقة مع مصادر مجهولة ساهمت في التمهيد لحرب العراق، وما تبعها من دمار واسع وسقوط أعداد هائلة من الضحايا.
ويطرح المقال سؤالًا آخر: لماذا يُقدم أحد أعضاء فريق ترامب المقرّب أو مسؤول أمريكي رفيع على تسريب معلومات مصنفة بهذا المستوى من الحساسية إلى صحيفة مستقلة وغير رسمية؟ فمثل هذا التسريب قد يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية والسجن وإنهاء مسيرته السياسية. وحتى بافتراض وقوع التسريب، كيف يمكن إثبات صحته؟ وأي أدلة اعتمدتها الصحيفة؟ فالمكالمات أو الاجتماعات المغلقة بين القادة تخضع لتوثيق سري، ومن غير المرجح تسريب محاضرها وفحواها إلى وسائل الإعلام. ويشير الكاتب كذلك إلى أن معظم أعضاء فريق ترامب معروفون بتأييدهم لإسرائيل، وأن المستفيد الأكبر من هذا التسريب — إن صح — قد تكون إسرائيل، من خلال توتير العلاقات بين السعودية وإيران وانجراف الرياض الى مواجهة مباشرة مع طهران. ويطرح احتمال أن يكون التسريب — إن حدث — قد تم بدافع تحقيق مكاسب سياسية لطرف معين.
كما يتساءل الكاتب عن دوافع السعودية المفترضة، معتبرًا أن زعزعة استقرار إيران أو تغيير نظامها لا يخدم المصالح السعودية، خاصة في ظل تحسن العلاقات بين البلدين، وأن حالة عدم اليقين الناتجة عن أي تغيير في طهران لن تكون في صالح الرياض.ويخلص المقال إلى أن المشهد يبدو، في نظره، مشابهًا لما حدث قبيل غزو العراق، حيث قد تكون واشنطن بوست — عمدًا أو دون قصد — قد استُخدمت لنشر رواية ضعيفة ومثيرة للجدل دون تحقق مهني كافٍ.وفي خاتمته، يؤكد الكاتب أن تصديق هذا التقرير صعب، ويراه غير منطقي ومخالفًا للأدلة، معتبرًا أن من يصدقه إما متحيز بشدة أو ينطلق من دوافع أيديولوجية ضيقة.



