انفصاليو بلوشستان الباكستانية: التاريخ، الأجندات واللاعبون في الظل

إعداد: مركز إندس للدراسات الباكستانية – إسلام آباد –
خلفية تاريخية
يُعدّ إقليم بلوشستان من أكثر الأقاليم الباكستانية تعقيدًا أمنيًا وسياسيًا، في ظل تداخل عوامل تاريخية واجتماعية عميقة، أبرزها هيمنة النظام القبلي على البنية السياسية والاجتماعية. فما زالت بعض القبائل البلوشية تحتفظ بنفوذ واسع يحدّ من قدرة الحكومة المركزية على تنفيذ قراراتها دون الرجوع إلى زعماء القبائل أو مراعاة مصالحهم. ولا يرتبط هذا الواقع بحركات التمرد المعاصرة فقط، بل يعود بجذوره إلى ما قبل قيام دولة باكستان. إذ ترى بعض النخب القبلية أن إقليم بلوشستان – باستثناء كويتا – لم يكن تاريخيًا خاضعًا لسلطة مركزية قوية، وأن انضمامه إلى باكستان عام 1948 جاء لأسباب جغرافية ومصالح مؤقتة أكثر من كونه خيارًا سياسيًا وأمنيا جامعًا. ورغم مرور نحو 76 عامًا على استقلال باكستان، لا يزال هذا التصور حاضرًا، ما يزيد من تعقيد تنفيذ السياسات الحكومية مقارنة ببقية الأقاليم الباكستانية. في هذا السياق، تشهد بلوشستان تصعيدًا أمنيًا متكررًا يتمثل في استهداف القوات الباكستانية على يد الجماعات الانفصالية، رغم أن خطاب الحركات الانفصالية يركّز على مطالب سياسية وحقوقية، مثل التهميش السياسي والحرمان التنموي وملفات حقوق الإنسان. غير أن غياب مسار تفاوضي جاد من قبل الساسة المحليين والقيادة المركزية الباكستانية أسهم في تعميق الأزمة، حيث لم تتبادر السلطات الباكستانية إلى دعوة الانفصاليين لحوار شامل يفضي إلى تسوية سلمية تحقق مطالبهم وتخدم الشعب البلوشي واستقرار الدولة.وبرزت في هذا المشهد جماعات مسلحة، أبرزها جيش تحرير بلوشستان (BLA)، باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في الصراع، مستندة إلى سردية قومية انفصالية تمزج بين المطالب السياسية والعمل المسلح. في المقابل، تبنّت السلطات الباكستانية مقاربة أمنية صارمة، وصنّفت هذه الجماعات كتنظيمات إرهابية وتدعي أنها مدعومة من الخارج، ولا سيما من الهند، وهو توصيف يتكرر في الخطاب الرسمي والعسكري.غير أن تعميم صفة الإرهاب على جميع المطالب السياسية والحقوقية يثير تساؤلات حول فعالية هذا النهج، إذ يرى مراقبون أنه قد يساهم في دفع بعض هذه الجماعات الانفصالية في أحضان الهند أو نحو مزيد من التشدد، بدل احتوائها ضمن إطار وطني جامع، ما يعقّد الأزمة ويؤجل الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة. وفي هذا التقرير يحاول مركز إندس للدراسات الباكستانية تسليط الضوء على مطالب الحركات الانفصالية في بلوشستان ورؤاهم القومية ومدى حقيقة الدعم الشعبي للانفصاليين والأطراف الخارجية المتهمة بتغذيتهم.
أولًا: مطالب الحركات الانفصالية ورؤيتها السياسية
1. المطالب الأساسية
تطرح الجماعات الانفصالية البلوشية، وعلى رأسها BLA وBLF، مجموعة من المطالب يمكن تلخيصها في الآتي:
○ إنهاء ما تصفه بالتهميش السياسي والاقتصادي للإقليم من قبل الحكومة المركزية في إسلام آباد.
○ السيطرة المحلية على الموارد الطبيعية، لا سيما الغاز والمعادن، مع المطالبة بإعادة توزيع العائدات بما يخدم سكان الإقليم.
○ الإفراج عن المعتقلين السياسيين والكشف عن مصير المختفين قسرًا، وهي قضية محورية في الخطاب الانفصالي. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة هذه القضية ودعت السلطات الباكستانية إلى التخلي عن سياسة الاختطاف القسري ضد المدنيين البلوش.
○ حماية الهوية القومية والثقافية البلوشية، بما في ذلك اللغة والتقاليد، من سياسات يُنظر إليها على أنها اندماج قسري. وهذه المطالبة تبدو ضعيفة حيث لاحاجة لرفع الأصوات لتحقيقها، بل هذا يأتي ضمن مسؤولية البلوش أنفسهم قبل مسؤولية السلطات المركزية.
○ الاستقلال الكامل عن باكستان، وهو الهدف الذي تتبناه الأجنحة المتشددة، مقابل مطالب أقل حدة لدى تيارات قومية أخرى تكتفي بالحكم الذاتي الموسع. ولأطراف التي تتبنى هذا الخطاب هم الأكثر خطورة للأمن القومي الباكستاني والاستقرار الداخلي لبلوشستان
2. الرؤية تجاه باكستان
تنظر الجماعات الانفصالية المتشددة إلى الدولة الباكستانية باعتبارها كيانًا فاقدًا للشرعية في بلوشستان منذ ضم الإقليم عام 1948، وتصف الوجود الأمني بأنه احتلال داخلي.كما تعارض هذه الجماعات المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC) وميناء جوادر، معتبرة أنها تخدم مصالح خارجية ولا تعود بالنفع الحقيقي على السكان المحليين.
ثانيًا: الرواية الرسمية الباكستانية في مواجهة الانفصاليين
ترى الحكومة الباكستانية أن الجماعات المسلحة في بلوشستان تنظيمات إرهابية تهدد وحدة الدولة وأمنها القومي، وتؤكد أن غالبية سكان الإقليم لا تؤيد العمل المسلح، بل تطالب بالتنمية والاستقرار.وتشدد إسلام آباد على أن المشاريع الاقتصادية الكبرى تهدف إلى دمج الإقليم في الاقتصاد الوطني وتحسين ظروفه المعيشية، متهمة الجماعات الانفصالية بمحاولة إفشالها عبر العنف.
ثالثًا: التدخلات الخارجية المزعومة (الهند وإيران مكشوفة) و ( واشنطن مشروطة)
1. الاتهامات الموجهة إلى الهند
○ تتهم باكستان الهند بدعم جماعات انفصالية في بلوشستان، وعلى رأسها BLA، من خلال التمويل والتدريب والدعم الاستخباراتي.
○تربط إسلام آباد هذا الدعم المزعوم بمحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي وإفشال المشاريع الاستراتيجية المشتركة مع الصين.
○ في المقابل، تنفي الهند رسميًا هذه الاتهامات وتصفها بأنها محاولة لصرف الأنظار عن مشكلات داخلية باكستانية، مؤكدة عدم وجود أدلة دولية مستقلة تثبت تلك المزاعم. ولكن نفي الهند يبدو غير مقرونة بالأدلة والاثباتات بينما نجد الادعاءات الباكستانية أكثر منطقيا ومقرونة بالأدلة والاثباتات.
2. البعد الإيراني
○ يتمتع إقليم بلوشستان بامتداد قبلي وعرقي داخل إيران، خاصة في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية.
○ شهدت الحدود الباكستانية–الإيرانية توترات متكررة، مع تبادل اتهامات بإيواء جماعات مسلحة معادية للطرف الآخر.
○ وتوجَّه اتهامات إلى طهران بإيواء قيادات انفصالية بلوشية باكستانية على أراضيها، حيث يقيم أغلب قيادات الحركات الانفصالية البلوشية في إيران ويصدرون أحكام التمرد لأنصارهم من هناك. إضافة على ذلك تُتهم طهران بالتورط في عبور عناصر استخباراتية هندية عبر الحدود الباكستانية–الإيرانية. وقد أكدت السلطات الباكستانية إلقاء القبض على عدد من الجواسيس الهنود داخل باكستان كانوا يحملون جوازات سفر إيرانية، وعلى رأسهم الضابط الهندي كلبهوشن ياداف. وكما تشير مصادر باكستانية أن الجماعات المسلحة البلوشية تجني مليارات الدولارات بتهريب النفط الإيراني عبر الحدود الباكستانية الإيرانية مما يساهم فى تنشيط أعمالهم الإرهابية ضد القوات المسلحة الباكستانية.
3- خطة واشنطن بشرط سقوط النظام الإيراني:
○ يكشف تقرير استخباراتي لمركز “ميمري” أن الخطة الأمريكية تجاه البلوش في حال سقوط نظام الحكم الملالي في إيران تمثل في إقامة دولة مستقلة للبلوش( الإيراني والباكستاني). وهذا يعني أن واشنطن ستدعم لمطالب الانفصاليين البلوش في باكستان لتحقيق إقامة دولة بلوشية مستقلة. ولكن هذا سيحدث في حال سقوط النظام الإيراني، أما في غير هذه الحالة فإن واشنطن ضد الانفصاليين البلوش في باكستان حيث قامت مؤخرا بتصنيف جيش تحرير بلوشستان BLA ولواء عبدالمجيد ( الجناح العسكري لجيش تحرير بلوشستان ) كمنظمة إرهابية دولية. وهذا يؤكد أن واشنطن ليست متورطة في دعم الانفصاليين البلوش في باكستان بشكل مباشر.
رابعًا: حجم الدعم الشعبي للانفصال مقابل تأييد الدولة
1. التأييد الشعبي للانفصال
○ تشير استطلاعات ودراسات سابقة إلى أن نسبة المؤيدين للاستقلال الكامل لا تمثل الأغلبية داخل الإقليم. ولكن معارضة السياسة الباكستانية تجاه بلوشستان تحظى بدعم شعبي واسع داخل بلوشستان.
○ تقديرات بحثية أظهرت أن نحو ثلث البلوش عبّروا في مراحل سابقة عن دعمهم لفكرة الانفصال، بينما فضّلت الأغلبية الحكم الذاتي الموسع داخل باكستان بدل الانفصال مقابل توفير حقوقهم الأساسية.
2. القاعدة الفعلية للجماعات المسلحة
○ يُقدَّر عدد المقاتلين النشطين في جماعات مثل BLA 7000 مقاتل رسمي مع ترجيحات الزيادة في هذا العدد مستقبلا، وهو رقم لا يعكس حجمًا شعبيًا واسعًا قياسًا بعدد سكان الإقليم وليس عددا هينا يستهان به.
○ غالبية السكان، خاصة في المناطق الحضرية والشرائح غير القبلية، تميل إلى الحلول السياسية والتنموية بدل الصراع المسلح.
3. التأييد للدولة الباكستانية
○ قطاعات واسعة من سكان بلوشستان، بما في ذلك المكوّن البشتوني والأقليات الأخرى، تُظهر تأييدًا لبقاء الإقليم ضمن الدولة الباكستانية مع تحسين شروط المشاركة السياسية والاقتصادية. ولذلك نلاحظ قيادات بلوشية وحتى بعض زعماء القبائل البلوشية يخوضون الانتخابات العامة تحت مظلة الأحزاب السياسية ويمثلون البلوش في البرلمان الباكستاني.
خامسًا: خلاصة تحليلية
1. الانفصال ليس موقفًا جامعًا لكل البلوش، بل خيار تتبناه جماعات مسلحة محدودة التأثير الشعبي.
2. جذور الصراع تتداخل فيها مظالم حقيقية مع أجندات مسلحة راديكالية.
3. الاتهامات بالتدخل الخارجي، خصوصًا الهندي، تشكل جزءًا من السردية السياسية الباكستانية، لكنها محل جدل دولي وتفتقر لإجماع توثيقي مستقل.
4. استمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية دون حلول سياسية وتنموية شاملة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بدل احتوائه.
5. في حال سقوط النظام الإيراني ستشهد بلوشستان حربا مفتوحة وستنشط الحركات الانفصالية بقوة أكثر.



