باكستان والخليج: تحالف السلاح أم تقاطع المذهب؟

كلمة مركز إندس للدراسات الباكستانية- إسلام آباد-
هل ارتفعت مكانة باكستان لدى العرب لأنها دولة إسلامية، أم لأنها قوة نووية قابلة للتوظيف؟ قراءة في تحولات الشراكات الدفاعية الخليجية-
لم تعد العلاقات الدفاعية في الشرق الأوسط تُبنى على العاطفة الدينية أو الخطاب الأيديولوجي، بقدر ما باتت تُدار وفق منطق القوة الصلبة وحسابات الردع الاستراتيجي. وفي هذا السياق، يبرز الحضور الباكستاني في معادلة أمن الخليج بوصفه مؤشرًا على تحوّل أعمق في التفكير الأمني العربي.السؤال الجوهري لم يعد: من يشاركنا الدين؟ بل: من يستطيع أن يشاركنا عبء الردع في زمن التهديدات المفتوحة؟
أولًا: أفول الرهان على الشعارات الدينية
تكشف السياسات الخليجية خلال العقد الأخير عن انتقال واضح من منطق التحالفات العقائدية إلى منطق الأمن القومي البراغماتي. فقد أدّت التجارب القاسية مع حركات الإسلام السياسي، وما صاحبها من تسييس للدين وتوظيفه في الصراعات الإقليمية، إلى نشوء حساسية متزايدة تجاه أي خطاب أيديولوجي غير منضبط. وعليه، لم تعد الشراكات الأمنية تُبنى على أساس “الأخوة الإسلامية البحتة”، بل وفق معايير عملية واضحة تشمل القدرة، والالتزام، والكلفة، والجدوى الاستراتيجية.
ثانيًا: باكستان كقوة عسكرية جاهزة للتوظيف
ما يمنح باكستان وزنها الحقيقي في الحسابات الخليجية ليس الخطاب الديني، بل الجاهزية العسكرية. فإسلام آباد تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش النظامية في العالم، ويتمتع بخبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة وحروب الاستنزاف، إضافة إلى منظومة ردع نووية مكتملة، حتى وإن لم تُدرج صراحة في نصوص الاتفاقيات الدفاعية.باكستان، في هذا السياق، ليست مجرد دولة لديها جيش، بل دولة عسكرية مؤسسية قادرة على التدريب، والتخطيط، والانتشار، وتقديم المساندة الدفاعية الفعلية عند الحاجة.
ثالثًا: الفراغ الأمني الإقليمي
تزامن صعود الدور الباكستاني مع تحولات بنيوية في البيئة الأمنية الخليجية، أبرزها تراجع الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية، وتصاعد التهديدات الإيرانية وأذرعها الإقليمية، إضافة إلى تنامي التهديدات الإسرائيلية لأمن الخليج في ظل غطاء أمريكي أكثر مفضوحا، فضلًا عن تصاعد هجمات الحوثيين على أمن الطاقة والملاحة.أمام هذا المشهد، برزت الحاجة إلى شركاء غير غربيين وغير متورطين مباشرة في صراعات الإقليم، وهو ما جعل باكستان خيارًا عقلانيًا لا يفرض أثمانًا سياسية أو سيادية مرتفعة.
رابعًا: لماذا باكستان تحديدًا؟
تكمن جاذبية باكستان في موقعها الفريد داخل ما يمكن تسميته “المنطقة الرمادية الاستراتيجية”. فهي ليست دولة عربية تنافس على الزعامة أو النفوذ، وليست دولة غربية تفرض شروطًا سياسية وحقوقية، وليست طرفًا إقليميًا منخرطًا مباشرة في صراعات الخليج كما هو الحال مع تركيا أو إيران. وفي المقابل، تمتلك قوة ردع حقيقية تمنح أي شراكة معها معنى عمليًا.
خامسًا: العقيدة كغطاء لا كمحرّك
لا يمكن إنكار حضور الدين في الخطاب السياسي، لكنه لا يشكّل المحرّك الأساسي للقرار. فالعقيدة تؤدي هنا دور التسهيل والطمأنة، لا دور القيادة. إذ توجد دول إسلامية أكثر تقدمًا اقتصاديًا من باكستان، ومع ذلك لم تتجه إليها دول الخليج في ملفات الحرب والدفاع، لأن الانتماء الديني وحده لا يوفّر ردعًا من دون قوة عسكرية صلبة.وعليه، فإن القرار الخليجي تجاه باكستان قرار عسكري سيادي، تحكمه طبيعة التهديدات لا الاعتبارات الوعظية.
خلاصة تحليلية وفق رؤية مركز إندس للدراسات الباكستانية
يرى مركز إندس للدراسات الباكستانية أن الحروب والتهديدات الإقليمية المتصاعدة في الشرق الأوسط تمثل العامل الحاسم الذي دفع دول الخليج إلى توسيع شراكاتها الدفاعية مع باكستان. فلولا هذا المناخ الأمني المضطرب، لما طُرحت إسلام آباد أصلًا كخيار دفاعي جاد. ويأتي السلاح النووي كعامل مفصلي ثانٍ، إذ تُنظر إلى باكستان في العقل الاستراتيجي الخليجي بوصفها دولة نووية قبل أن تُنظر إليها كدولة مسلمة. فالقوة النووية تظل، في منطق الردع، أكثر تأثيرًا من أي رابطة عقائدية. أما البعد الديني، فيأتي عاملًا مكمّلًا لا مؤسسًا، يعزّز الثقة السياسية ولا يصنعها. فباكستان دولة إسلامية تمتلك السلاح النووي، وجيشًا محترفًا، وتاريخًا عسكريًا ناجحًا، ما يجعلها شريكًا يمكن الاعتماد عليه في قضايا إقليمية حساسة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.



