كيف تحولت تظاهرات التضامن مع السعودية إلى مادة للسخرية في باكستان؟
قسم المتابعات بمركز إندس للدراسات الباكستانية – إسلام آباد-
يقول المثل الباكستاني: “مُدَّ رجليك على قد فراشك”، وهذا المثل ينطبق بلا رحمة على ما يُعرف في باكستان بجمعية “أهل الحديث المركزية”. تُعد هذه الجماعة من التيارات الدينية الصغيرة نسبيًا، والتي تتفق في بعض توجهاتها مع الفكر السلفي، إلا أنها – وفق منتقديها – تعاني من إشكالية خطيرة في تقدير حجمها الحقيقي داخل المجتمع الباكستاني. فعلى الرغم من إدراك الجماعة أن نسبة المنتمين إليها لا تتجاوز نحو 5% من السكان، إلا أنها، بحسب مراقبين، تتعامل مع نفسها كأنها تمثل الأغلبية وقوة اجتماعية ودينية تفوق الخيال، وهو ما ينعكس بوضوح على طبيعة تعاطيها مع القضايا الكبرى، سواء المحلية أو الإقليمية. ومن بين هذه القضايا، تبرز مسألة التضامن مع المملكة العربية السعودية، التي تحظى بمكانة خاصة وتقدير خاص لدى عموم الباكستانيين. يشير متابعون إلى أن جماعة “أهل الحديث” تسعى بجرأة إلى تقديم نفسها كواجهة رئيسية وحيدة للتعبير عن هذا التضامن داخل باكستان، في حين أن التأييد والتضامن مع السعودية لا يقتصر على هذه الفئة الصغيرة بعينها، بل يمتد ليشمل قطاعات واسعة ومتنوعة من المجتمع الباكستاني بمختلف توجهاته.
وفي هذا الإطار، نظّمت “جمعية أهل الحديث المركزية” فعالية تضامنية مع السعودية الأسبوع الماضي في مدينة كراتشي، إلا أن عدد المشاركين – الذي لم يتجاوز 25 شخصًا – أثار موجة عارمة من الجدل والتعليقات الساخرة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر منتقدون أن هذا الحضور المحدود المُخجل يتناقض بشكل صارخ مع الهدف الأساسي من المظاهرات التضامنية، التي يُفترض أن تعكس حجم التأييد الشعبي واتساع قاعدة المشاركين. ويرى البعض أن هذه الفعالية، بدلًا من أن تعكس قوة التضامن، أظهرت بوضوح محدودية القدرة التنظيمية للجهة القائمة عليها (جمعية أهل الحديث)، خصوصًا في قضية ذات رمزية كبيرة كالعلاقة مع السعودية. ومع ذلك، يؤكد مراقبون أن ضعف المشاركة لا يعكس بأي حال من الأحوال تراجعًا في مشاعر التعاطف أو الدعم الشعبي للسعودية، بل يرتبط – في نظرهم – بضعف تمثيل الجهة المنظمة وقلة حضورها المجتمعي الحقيقي.
وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل جوهري ومباشر: إذا كان الباكستانيون يكنّون مشاعر إيجابية تجاه السعودية، فلماذا لا يشاركون في مثل هذه الفعاليات؟ وتتمثل الإجابة، بحسب آراء متداولة، في أن جماعة “أهل الحديث” لا تمثل الأغلبية أبدًا، وأن أنشطتها لا تحظى بدعم وثقة أو تفاعل واسع من قبل الشارع الباكستاني، الذي يدرك جيدًا طبيعة تمثيل هذه الجماعة وحدود تأثيرها الضيقة. وتذهب بعض الآراء إلى أن هذه الجمعية أُنشئت أساسًا لتحقيق مصالح محدودة لأفراد ومسؤولين من الجمعية بعينهم، وهو ما يفسّر – من وجهة نظرهم – ضعف الإقبال على فعالياتها وأنشطتها، رغم حساسية وأهمية القضايا التي تتبناها. وفي هذا السياق، يقول الكاتب والإعلامي الباكستاني الشهير فيض الله خان ساخراً: إن تظاهرات التضامن التي نظمتها جمعية “أهل الحديث” في كراتشي كشفت الحجم الحقيقي لهذه الجماعة، مشيرًا إلى أنها رغم ذلك لا تزال تحاول بجرأة تقديم نفسها كممثل وحيد للسعودية داخل باكستان، بل وتهاجم – وفق تعبيره – كل من يخالف الجمعية أو لا يتفق مع سياساتها التنظيمية، حتى وإن كان من ذات التوجه العقدي السلفي. ويضيف أن الجماعة تعاني – بحسب رأيه – من هاجس مرضي يتمثل في عدم السماح لقوى شعبية أوسع بالاقتراب من السعودية، خشية أن يؤدي ذلك إلى انكشاف حقيقة تمثيلها وحدود تأثيرها داخل المجتمع الباكستاني.
في السياق ذاته، صرّح غلام الله خان بتجربة شخصية أثارت جدلاً واسعًا، قائلاً إنه كان يتصور أن “الجامعة السلفية التابعة لجمعية أهل الحديث” في إسلام آباد مؤسسة أكاديمية كبرى بالمعنى الحقيقي للكلمة، قبل أن تتبدد هذه الصورة تمامًا عند زيارته الميدانية. إذ اكتشف – بحسب روايته – أن عدد طلابها لا يتجاوز 400 طالبًا فقط، وهو رقم وصفه بالصادم مقارنة بالانطباع العام الذي يُروَّج لها. وأضاف أن هذا العدد نجده في مدرسة ابتدائية صغيرة في حينا. وصرح غلام الله أن هذه المعاينة دفعته إلى استنتاج مثير للجدل، مفاده أن بعض الأوساط المنتمية لأهل الحديث في باكستان – على حد تعبيره – تُضخّم من حجم حضورها وتأثيرها بما لا يتناسب مع واقعها الفعلي. وتساءل بنبرة حادة: كيف يمكن لمؤسسة بهذا الحجم المحدود أن تُقدَّم نفسها تحت مسمى “جامعة”؟ معتبرًا أن في ذلك مبالغة قد ترقى، بحسب وصفه، إلى ” تضليل مكشوف “.
الأسباب:
تبدو الأسباب وراء هذا الإخفاق متعددة وخطيرة، ومن أبرزها:
○ وجود ما يُوصف بعقدة نفسية عميقة لدى بعض قيادات ” أهل الحديث في باكستان “، تتمثل في عدم السماح ببروز شخصيات دينية أقوى منهم أو أكثر تأثيرًا في العلاقة مع السعودية، خشية انكشاف محدودية دورهم. ولذلك نجدهم يعارضون الشيخ طاهر أشرفي أكبر داعم للسعودية في الخليج وذلك فقط لأنه ليس من جمعيتهم.
○ محدودية القاعدة الشعبية للجماعة داخل باكستان، حيث لا تتجاوز نسبة المنتمين إليها نحو 5%. فالمظاهرات تحتاج إلى حشود شعبية والجماعة ليس لديها قاعدة شعبية حقيقية في باكستان.
○ تعيين إداريين غير مؤهلين – بحسب آراء متداولة – في بعض المواقع المرتبطة بالعمل السعودي في باكستان، نتيجة ترشيحات قائمة على الانتماء لا على الكفاءة أو الخبرة. مما يؤدي إلى التعاطي مع هذه الجماعات الدينية الصغيرة وإقصاء أو إبعاد من هم الأقوى والأقدر والأكثر تأثيرًا. إذ يُشار إلى حالات يتم فيها إسناد مهام ذات طابع تخصصي، كالشؤون العسكرية أو الإدارية والتقنية، إلى أشخاص لا يمتلكون الخلفية العلمية أو المهنية المناسبة، وإنما تم اختيارهم بناءً على ارتباطهم بهذه الجماعة. وهذا النوع من الثقافة الإدارية معمول به بشكل ملحوظ في المكاتب التابعة للسفارة السعودية في باكستان. ويصرح بذلك أعضاء جمعية أهل الحديث المركزية من باب الفخر.
○ ضعف متابعة بعض المسؤولين السعوديين في باكستان لهذه الظاهرة، وعدم التعامل معها بالقدر الكافي من التقييم والمعالجة الجريئة. وهذا السبب يرجع إلى السبب السابق، حيث يقوم الموظفون الباكستانيون في المكاتب السعودية في باكستان بإقناع المسؤولين السعوديين بأن أهل الحديث هم يمثلون الأغلبية ولهم القوة والشوكة. بينما الواقع ينفي ذلك نفيًا قاطعًا.
○ سعي بعض القيادات السلفية في باكستان – وفق منتقدين – إلى عرض أنفسهم كممثلين للسعودية داخل باكستان، وعدم إشراك الآخرين في مثل هذه القضايا، بهدف كسب مزيد من الدعم المالي أو المعنوي من السعودية.
الخلاصة
تعكس هذه القضية فجوة واضحة وخطيرة بين التمثيل الفعلي والادعاء، وتطرح تساؤلات أوسع حول آليات العمل الجماهيري، ومعايير التمثيل، وضرورة مواءمة الخطاب مع الواقع لضمان مصداقية التأثير وفاعلية الحضور. إن استمرار هذا الوضع لن يخدم إلا في تعميق الانقسامات وإضعاف الصورة الحقيقية للتضامن الباكستاني مع المملكة.

