لماذا يتعرض الدكتور العلامة هشام إلهي لهجوم من بعض التيارات السلفية والشيعية؟

إعداد: قسم المتابعات بمركز إندس للدراسات الباكستانية-
تُعد شخصية الشيخ الدكتور هشام إلهي ظهير من أبرز العلماء والمفكرين السلفيين في باكستان. ويشغل حاليا منصب رئيس جمعية أهل الحديث في باكستان. وينتمي الشيخ إلى أسرة علمية عريقة عُرفت بدفاعها عن منهج السلف، فهو نجل العلامة الشهيد إحسان إلهي ظهير، أحد أشهر علماء أهل الحديث في القارة الهندية، والذي عُرف بمؤلفاته الموسوعية التي تناولت عقائد الفرق والمذاهب، وكشفت – بحسب أنصاره – كثيراً من القضايا المرتبطة بعقيدة الشيعة حول القرآن الكريم وأهل البيت والسنة النبوية. وقد دفع الشيخ إحسان إلهي ظهير حياته ثمناً لمواقفه، إذ تعرّض لعملية تفجير استهدفته خلال محاضرة دينية في باكستان عام 1987، واتُّهمت عناصر شيعية بالوقوف خلف عملية التفجير. وبسبب خطورة إصابته نُقل على الفور إلى الرياض لتلقي العلاج، تقديراً لمكانته العلمية وعلاقته الوثيقة بالمملكة العربية السعودية. إلا أنه توفي بعد أسبوع متأثراً بجراحه، ودُفن في مقبرة البقيع إلى جوار الصحابة رضوان الله عليهم، في حدث ترك أثراً بالغاً في الأوساط السنية داخل باكستان وخارجها.
مؤتمر واشنطن وبداية الهجوم
تعود فصول الجدل الأخير حول الشيخ هشام إلهي ظهير إلى ما قبل شهر رمضان، حين سافر إلى واشنطن العاصمة للمشاركة في مؤتمر دولي جمع رجال دين من مختلف الديانات، بدعوة رسمية من رابطة العالم الإسلامي، في إطار جهود الحوار بين الأديان وتعزيز التفاهم بين الشعوب.غير أن هذه المشاركة لم ترق لبعض الأطراف، سواء من التيارات الشيعية أو حتى من بعض التيارات السلفية المنافسة. وكان من أبرز المنتقدين له جهات مرتبطة بجمعية أهل الحديث المركزية يقودها السيناتور والداعية الديني حافظ عبد الكريم، حيث شنّ بعض المنتسبين إلى هذا التيار هجوماً حاداً على الشيخ هشام، ووجّهوا له انتقادات لاذعة؛ وصلت إلى حد السخرية منه واتهامه بأنه أصبح “داعية لليهود” و“مؤذن ترامب في باكستان”. كما صرح مسؤول سلفي بارز في الجمعية ذاتها قوله إن الشيخ هشام إلهي ظهير “فاقد للوعي” ويجب اعتقاله وإيداعه السجن، وهي تصريحات أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الدينية والإعلامية.

تصعيد شيعي واستغلال الخلاف
هذه الحملة الداخلية وفّرت فرصة لبعض النشطاء الشيعة في باكستان لتصعيد الهجوم على الشيخ، حيث طالب بعضهم باعتقاله أيضاً، تحت ذريعة اتهامه بالارتباط بالأمريكيين واليهود. فيما شن بعض أنصار عمران خان هجوما لاذعا ضد الشيخ إلهي معتبرين إياه عميلا لترمب حسب وصفهم. غير أن الجدل لم يتوقف عند هذا الحد. فمع تصاعد التوترات الإقليمية، واندلاع المواجهات بين إيران وإسرائيل، عبّر الشيخ هشام إلهي ظهير عن موقف واضح برفض أي اعتداءات إيرانية على الدول الخليجية، وبالأخص المملكة العربية السعودية.كما دعا طهران – في حال رغبت بالتصعيد – إلى توجيه عملياتها ضد السفن الأمريكية أو الجيش الإسرائيلي، بدلاً من استهداف المدن الخليجية التي وصفها بأنها “البيت الثاني لملايين الباكستانيين العاملين هناك”.

هذه التصريحات فجّرت موجة جديدة من الهجوم عليه، حيث اشتدت الحملة ضده وتعرض لتهديدات بالاغتيال عبر اتصالات مجهولة، وهو ما أكده الشيخ نفسه في تصريحات لمركز إندس للدراسات الباكستانية.
قراءة في خلفيات الحملة وردود الأفعال
في هذا السياق، يرى الكاتب الباكستاني أبو بكر القدوسي أنه لا يوجد أي مبرر منطقي للهجوم على الشيخ هشام إلهي ظهير أو التهديد بقتله من قبل بعض التيارات الدينية الشيعية والسلفية.ويقول القدوسي إن مطالبة الشيخ من إيران بعدم استهداف الدول الخليجية تمثل موقفاً عقلانياً ومطلوباً، خاصة أن الحكومة الباكستانية نفسها دعت مراراً إلى تجنب استهداف دول الخليج أو توسيع دائرة الصراع في المنطقة. ويضيف: أن ما يحدث يبدو أقرب إلى صراع حزبي ومذهبي، وليس نتيجة خطأ ارتكبه الشيخ.

كما أشار المتحدث باسم جمعية أهل الحديث في باكستان إلى أن الهجوم على الشيخ بدأ أساساً من بعض التيارات السلفية المعارضة له، قبل أن تجد التيارات الشيعية في ذلك فرصة للانتقام منه بسبب مواقفه وتصريحاته المتضامنة مع دول الخليج.
ويقول الناشط الباكستاني جابر رباني، رداً على أحد أنصار الخامنئي، إن إيران قدّمت اعتذاراً رسمياً للدول الخليجية وتعهدت بعدم استهدافها، مؤكداً أن هذا الموقف الإيراني الرسمي يتطابق تماماً مع ما دعا إليه الشيخ هشام إلهي ظهير في تصريحاته السابقة، حين طالب طهران بتجنب استهداف دول الخليج والحفاظ على أمنها واستقرارها.

سؤال مفتوح
ومهما تعددت التفسيرات والخلفيات، يبقى السؤال مطروحاً أمام الرأي العام: لماذا تحاول بعض التيارات السلفية في باكستان الإساءة إلى كل شخصية سلفية لا تنخرط في سياساتها أو جمعياتها؟ وهل من المنطقي أن تتحول الخلافات التنظيمية أو المذهبية إلى حملات تشهير واتهامات وسخرية وتهديدات؟ في وقت تحتاج فيه الساحة الإسلامية إلى قدر أكبر من التضامن والوحدة؟
إن الدفاع عن استقرار الخليج وأمنه – الذي يمثل ركيزة اقتصادية واجتماعية لملايين الباكستانيين – يفترض أن يكون محل توافق لا سبباً للصراع. ومن هنا يرى كثيرون أن الأولى بهذه التيارات أن تقف إلى جانب كل من يدافع عن الخليج وبلاد الحرمين، بدلاً من تحويل الخلافات الداخلية إلى معارك إعلامية تضعف الصف وتعمّق الانقسام.




