المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز: د. عبدالغني أنجم
ثقافة وتاريخثقافة وتاريخمحلياتمقالاتمنشورات تاريخية

من الذروة إلى الانحسار: السلفية في باكستان بعد العلامة إحسان إلهي

مركز إندس للدراسات الباكستانية- إسلام آباد-

يُعدّ الفكر السلفي من أوائل التيارات الإسلامية التي ظهرت في القارة الهندية قبل قيام دولة باكستان، حيث عُرف آنذاك بمسمى “أهل الحديث”. وقد ركّز هذا التيار على نشر السنة النبوية الصحيحة، والدعوة إلى منهج سلفي يقوم على تصحيح العقيدة ومحاربة البدع، وانتشر في مناطق واسعة من شبه القارة الهندية.وقد ارتبطت هذه المدرسة الفكرية بعلاقات علمية وثقافية وسياسية عميقة مع دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي شكّلت مرجعية علمية وداعماً مهماً لهذا التيار. وتشير الأدبيات التاريخية إلى أن نشأة هذه الجماعة في الهند جاءت في إطار حراك ديني واسع، قبل أن تتأثر لاحقاً بالتحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة مع نهاية الاستعمار.

التحولات بعد الاستقلال

مع استقلال باكستان عام 1947، شهدت التيارات الإسلامية، ومنها السلفية، حالة من الانقسام الجغرافي والتنظيمي، كما حدث مع بقية المدارس الفكرية في القارة الهندية. فقد اختار جزء من المسلمين البقاء في الهند، رغم قيام الدولة الباكستانية على أساس تمثيل المسلمين، وهو ما انعكس بدوره على توزع أتباع التيار السلفي.وبفعل هذه التحولات، أصبح السلفيون في باكستان ضمن ما يمكن وصفه بـ“أقلية الأقليات”، ليس نتيجة اضطهاد رسمي، بل بسبب محدودية عدد أتباعهم تاريخياً مقارنة بتيارات أخرى أكثر انتشاراً. ومع ذلك، لم تكن الدولة الباكستانية في حالة عداء مع هذا التيار، بل ظل حضوره مرتبطاً بقدراته التنظيمية والدعوية.

صعود القيادة السلفية

في هذا السياق، برز اسم العلامة إحسان إلهي ظهير كأحد أبرز القيادات السلفية في باكستان خلال العقود الأولى بعد الاستقلال. وقد عُرف بشجاعته الفكرية، وجرأته في الطرح، وعلمه الراسخ، مما مكّنه من إعادة إحياء الحضور السلفي داخل المجتمع الباكستاني.أسّس الشيخ العلامة إحسان جمعية أهل الحديث في باكستان، بهدف الحفاظ على هوية هذا التيار وتنظيم نشاطاته الدعوية تحت مظلة مؤسسية. ومع اتساع نشاطه، تحوّل الفكر السلفي إلى مدرسة ذات ثقل وطني وحضور متنامٍ، وبدأ يحقق انتشاراً أوسع داخل الأوساط الدينية والاجتماعية.

الخلافات الداخلية والتحديات

غير أن هذا الصعود لم يكن خالياً من التحديات، إذ واجه الشيخ إحسان إلهي ظهير خلافات داخلية حادة داخل المدرسة السلفية نفسها، وصلت في بعض مراحلها إلى مستويات شخصية، بما في ذلك الإساءة إلى أسرته الكريمة من قبل بعض خصومه.ورغم هذه الضغوط، واصل الشيخ مسيرته الدعوية بثبات، ولم يتراجع عن مشروعه الفكري، إلى أن تعرّض لاستهداف مباشر خلال اجتماع علمي كبير في 23 مارس 1987، حيث وقع تفجير أدى إلى سقوط أكثر من مائة شهيد من أتباع التيار السلفي، وإصابة الشيخ بجروح بالغة.وقد نُقل على إثر ذلك إلى الرياض لتلقي العلاج، إلا أنه لم يتعافَ من إصاباته، ليرتقي متأثراً بجراحه بعد أسبوع، في ليلة 30 مارس 1987، في حادثة شكّلت صدمة كبيرة للوسط السلفي في باكستان.

ما بعد الرحيل: تراجع المشروع

برحيل إحسان إلهي ظهير، فقدت المدرسة السلفية في باكستان أحد أبرز قادتها وأكثرهم تأثيراً، وهو ما انعكس بشكل واضح على مسارها لاحقاً. فقد شهدت أنشطتها الدعوية والفكرية تراجعاً ملحوظاً، في ظل غياب قيادة تمتلك الرؤية والقدرة على توحيد الصف.وفي هذا السياق، يقول المفتي إبراهيم خليل، أمير جمعية أهل الحديث في جلجت بلتستان، إن السلفية “تراجعت إلى الوراء ولم تتقدم إلى الأمام بعد استشهاد الشيخ، بسبب غياب قيادة بمستوى رؤيته وحجمه”. ويضيف أن بعض القيادات التي برزت لاحقاً انشغلت بالمواقع والمناصب أكثر من اهتمامها بتوسيع العمل الدعوي. كما يرى الداعية محمد أشرف السلفي أن استشهاد الشيخ إحسان إلهي “كان بمثابة سقوط المشروع السلفي في باكستان”، مشيراً إلى أن التيار لم يعد يمتلك القوة التي كانت تليق بحجمه الفكري والدعوي بعد تلك الحادثة.

محاولات الاستمرار والتحديات الراهنة

ورغم مرور نحو نصف قرن على وفاته، لا تزال محاولات إحياء المشروع السلفي مستمرة، خاصة من قبل أبناء الشيخ، الذين يسعون إلى مواصلة مسيرته وفق رؤيته الطموحة.وفي هذا الإطار، يؤكد نجله الدكتور هشام إلهي ظهير أن الهدف يتمثل في “استعادة المجد والقوة للمدرسة السلفية في باكستان”، معرباً عن تفاؤله بإمكانية تحقيق ذلك رغم التحديات الداخلية والخارجية، والتي لا تختلف كثيراً عن تلك التي واجهها والده.

الخلاصة

مهما اختلفت التفسيرات حول خلفيات استهداف الشيخ إحسان إلهي ظهير، فإن رحيله شكّل خسارة كبيرة للتيار السلفي في باكستان، الذي لا يزال حتى اليوم ضمن “أقلية الأقليات” من حيث التأثير والانتشار. ويمثل تاريخ 30 مارس 1987م محطة مفصلية في مسار هذا التيار، حيث يمكن اعتباره لحظة تعثر كبرى، إن لم تكن نقطة تحول أدت إلى تراجع المشروع السلفي وتباطؤ نشاطه داخل المجتمع الباكستاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى