موقف باكستان من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج-

إعداد: قسم الشؤون الدولية بمركز إندس للدراسات الباكستانية-
تُعدّ باكستان من الدول المحورية على الساحة الدولية، نظرًا لثقلها الديموغرافي وقدراتها العسكرية وهويتها الإسلامية. وتتعاظم أهمية هذا الدور في فترات الأزمات والحروب الإقليمية، إذ تُعد باكستان أول دولة إسلامية تمتلك السلاح النووي، إلى جانب امتلاكها جيشًا قويًا وخبرة عسكرية متراكمة وسجلًا معتبرًا في ميادين المواجهة. غير أن هذه الهوية الإسلامية نفسها كثيرًا ما تضع إسلام آباد في معادلات سياسية معقدة وتحديات حساسة داخل العالم الإسلامي. وتبرز في هذا السياق العلاقة مع كل من جمهورية إيران الإسلامية ودول الخليج العربي، حيث تمثل هذه العلاقة أحد أبرز العوامل التي تجعل باكستان في موقع دقيق عند اندلاع التوترات بين طهران والعواصم الخليجية. فمنذ عقود تسعى إسلام آباد إلى الحفاظ على علاقات متوازنة وودية مع مختلف الأطراف، محاولةً إدارة علاقاتها مع إيران ودول الخليج على قاعدة التوازن وعدم الانحياز، رغم ما يفرضه هذا النهج من ضغوط سياسية ودبلوماسية على سياستها الخارجية.
وقد تجلّت هذه الحساسية بوضوح في تجربة سابقة واجهتها إسلام آباد عندما أطلقت المملكة العربية السعودية عمليتها العسكرية “عاصفة الحزم ” في اليمن، ففي ذلك الوقت تلقت الحكومة الباكستانية طلبًا رسميًا من الرياض للانضمام إلى التحالف العسكري، أو على الأقل تقديم دعم عسكري يتمثل في التسليح والتدريب للمشاركة في العمليات داخل اليمن. غير أن الحكومة الباكستانية لم تتمكن من اتخاذ قرار فوري بهذا الشأن، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، ولا سيما من الأطراف القريبة من إيران داخل باكستان التي عارضت الانضمام إلى التحالف العسكري. وأمام هذا التعقيد السياسي، اضطرت الحكومة التي كان يقودها آنذاك حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز شريف) إلى إحالة الملف إلى البرلمان، حيث جرى نقاش الطلب السعودي وعرضه للتصويت البرلماني. وبصرف النظر عن نتيجة ذلك التصويت، فقد عكس هذا الحدث حجم الحرج السياسي الذي واجهته إسلام آباد نتيجة التنافس الإيراني الخليجي على الساحة اليمنية، وما يفرضه ذلك من تحديات على سياسة التوازن التي تحاول باكستان اتباعها.
اليوم يتكرر المشهد بصورة مختلفة في ظل التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل، حيث تجد باكستان نفسها مرة أخرى أمام معادلة توازن معقدة. فلو بقيت المواجهة محصورة بين الطرفين (إيران-إسرائيل)، ربما لم تكن إسلام آباد لتواجه الإحراج ذاته في تحديد موقفها. غير أن اتساع نطاق الصراع، مع دخول بعض دول الخليج في دائرة الاستهداف الإيراني إلى جانب إسرائيل، أعاد فتح النقاش مجددًا حول موقع باكستان من هذه التطورات، ولا سيما في ما يتعلق بالضربات الإيرانية التي طالت دولًا خليجية.
وفي إطار هذه القراءة التقديرية، تسعى هذه الورقة إلى تحليل الموقف الباكستاني من هذه التطورات عبر أربعة محاور رئيسية:
1- الموقف الديني
2- الموقف السياسي
3- الموقف العسكري
4- الموقف الاجتماعي
والتزامًا بسياسات المركز المتعلقة بحقوق النشر وإتاحة المعلومات، يُتاح للقراء جزء محدود من المحور الأول لهذه الورقة التقديرية، فيما يتم توفير بقية الأجزاء للراغبين عند الطلب عبر المركز.
أولًا: الموقف الديني، ويتمثل في موقف الجماعات الدينية الباكستانية من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج
سواء قُبل هذا الطرح أم لا، فإن القراءة التاريخية والواقعية تشير إلى أن الخلافات بين إيران ودول الخليج ليست مجرد خلافات سياسية عابرة، بل ترتبط أيضًا بخلفيات مذهبية وعقدية متراكمة عبر التاريخ. وهذه الخلافات لا يمكن اختزالها في أحداث تاريخية محددة مثل الخلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك بكثير، حيث عرف التاريخ تنافسًا طويلًا بين الفرس والعرب على النفوذ والسلطة وموازين القوة في المنطقة منذ ما قبل الإسلام. ومعركة ذي قار أكبر دليل على الصراع العربي الفارسي ماقبل الإسلام. يقول المؤرخ العراقي الدكتور جواد علي: ويوم ذي قار لم يكن إذن يومًا واحدًا، أي معركة واحدة وقعت في ذي قار وانتهى أمرها بانتصار العرب على الفرس، بل هو جملة معارك وقعت قبلها ثم ختمت بـ “ذي قار”، حيث كانت المعركة الفاصلة فنسبت المعارك من ثم إلى هذا المكان” (د. جواد علي. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. ج٥، ص٢٩٤). ومع بزوغ فجر الإسلام وتشكّل الكيانات السياسية الإسلامية، تحوّلت طبيعة هذا التنافس تدريجيًا؛ فبعد أن كان صراعًا ذا طابع قومي بين الفرس والعرب، اكتسب لاحقًا بُعدًا مذهبيًا تمثّل في الانقسام السني–الشيعي. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الصراعات التاريخية القديمة أعيدت صياغتها داخل الإطار الإسلامي، فأخذت أبعادًا دينية ومذهبية جديدة، بينما بقي جوهر التنافس السياسي والحضاري حاضرًا في خلفيتها. ومنذ ذلك الحين، استمر هذا التباين في الظهور عبر محطات تاريخية متعددة، وغالبًا ما يُطرح في سياقات تتعلق بمفاهيم مثل الخلافة والإمامة ودور كل طرف في قيادة العالم الإسلامي.
وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن فصل الساحة الباكستانية عن هذه التفاعلات الإقليمية. فباكستان، باعتبارها دولة إسلامية كبرى تضم أتباع مختلف المذاهب والتيارات المنتمية إلى الإسلام، تتأثر بطبيعة الحال بالتوترات القائمة بين إيران ودول الخليج. وفي السطور التالية نستعرض موقف الجماعات الدينية في باكستان من الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج، وذلك بهدف استجلاء مستوى التأييد أو الرفض الذي يحظى به كل طرف داخل الشارع الباكستاني.
وتنقسم الجماعات الدينية في باكستان إلى قسمين رئيسين يختلفان عقديًا وفكريًا:
الأول: السنة.
الثاني: الشيعة.
وقبل الشروع في رصد مواقف هذه الجماعات الدينية، من الضروري إيضاح الوزن السكاني لكل منها داخل المجتمع الباكستاني، بما يساعد القارئ على فهم طبيعة التفاعل الثقافي والأيديولوجي في باكستان مع القضايا ذات البعد الديني والمذهبي.وبحسب دراسة مسحية تقريبية أجراها مركز إندس للدراسات الباكستانية، فإن التوزيع التقريبي للجماعات الدينية في باكستان يأتي على النحو الآتي:
1- البريلوية: 55% ( أكبر شريحة دينية ).
2- الديوبندية: 25% ( الأقوى نفوذا سياسيا وفقهيا).
3- الشيعة: 15% ( الأقل تعدادا والأكثر تأثيرا)
4- السلفية (أهل الحديث): 4% ( الأقل تعدادا مع تأثير محدود جدا).
5- أخرى: 1% .
في هذا التوزيع التقريبي للجماعات الدينية، تبرز ملاحظة محورية تستدعي التوقف والتحليل، تتمثل في ما يُنظر إليه على أنه ضعف أو تعثر المشروع السلفي المرتبط بدول الخليج في مواجهة المشروع الشيعي الإيراني داخل باكستان. فعلى الرغم من الأسبقية الزمنية للمشروع السلفي في باكستان مقارنة بنظيره الإيراني، والدعم القوي من الخليج، فإن الجماعات السلفية لا تزال تُصنَّف ضمن نطاق أقلية الأقليات ( Pakistan: A Kaleidoscope of Islam. Mariam Abou Zahab, Oxford University pages: 101-116) Press (2020).) وتأتي في مراتب متأخرة من حيث التأثير والانتشار. في المقابل يرى باحثون آخرون أن المشروع الشيعي الإيراني نجح في تحقيق حضور لافت وانتشار أسرع، مكّنه من منافسة أبرز وأقوى الجماعات الدينية على المستوى الوطني، بما يعكس اختلالًا واضحًا في موازين التأثير بين المشروعين داخل المشهد الديني الباكستاني. ( مجموعة حقوق الأقليات الدولية (Minority Rights Group International)، باكستان: الشيعة والهزارة، تحديث يونيو 2018).

ويرى “مركز إندس” أن هذا التعثر الذي يعاني منه المشروع السلفي لا يرتبط بقلة الدعم أو بغياب بيئة ملائمة لنشاطه في باكستان، بل يعود—في تقديره—إلى عوامل داخلية تتعلق بطبيعة الأداء السلفي ذاته. إذ يشير إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى القادة السلفيين للتوسع وتعزيز النفوذ، والانقسامات الداخلية في التيارات السلفية ذاتها، إلى جانب ما يصفه بعض الخبراء بحالة من المبالغة في تقدير الحضور والتأثير، حيث تتبنى بعض الأوساط السلفية تصورات تفيد بأن السلفية تقود المشهد الديني في البلاد، في حين تكشف المعطيات الميدانية خلاف ذلك، الأمر الذي يضع هذه التصورات في موضع حرج عند إخضاعها للمقارنة مع المشروع الشيعي في الدراسات البحثية الجادة.
عودةً إلى ملف الموقف الديني من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، نستعرض فيما يلي مواقف أبرز الجماعات الدينية الباكستانية إزاء هذه التطورات.
1- موقف المدرسة البريلوية من الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج:
تُعدّ المدرسة البريلوية واحدة من أكبر وأوسع الجماعات الدينية انتشارًا في باكستان. (Pew Research Center, The World’s Muslims: Unity and Diversity, 2012). والبريلوية مدرسة فقهية ذات ارتباط وثيق بالتصوف، سواء على مستوى المعتقدات أو الممارسات والطقوس الدينية.وفي سياق الموقف من التصعيد الإيراني تجاه دول الخليج، برزت تصريحات لافتة لبعض رموز هذه المدرسة، منها ماهو تصريحات مباشرة ومنها ما هو تصريحات غير مباشرة، ومن بينها ما نُقل عن رئيس مجلس علماء السنة البريلوي، المفتي محمد ذكاء الله سعيدي، الذي اعتبر أن الدول العربية “مرتبطة بالولايات المتحدة”، وأن القصف الإيراني “يمكن تبريره” في ظل وجود قواعد أمريكية على أراضي تلك الدول، مضيفًا أن “الحمية الإسلامية كانت تقتضي طرد القوات الأمريكية”.غير أن أهمية تناول موقف المدرسة البريلوية لا تكمن في بعدها العقدي أو الطقوسي، بقدر ما ترتبط بتحليل توجهاتها السياسية والإقليمية. إذ تُعرف هذه المدرسة بمواقف تميل—في كثير من الأحيان—إلى إبداء قدر من التعاطف مع كل من إيران وتركيا، مقارنة بمواقفها من بعض دول الخليج، التي تنتقد سياساتها بشكل صريح في بعض الخطابات. ويعود جزء من هذا التباين إلى الخلفيات الفكرية والعقدية، حيث تنظر بعض الأوساط البريلوية إلى دول الخليج بوصفها حاضنة لما تصفه بـ“الفكر الوهابي”، وهو تيار يواجه انتقادات حادة من قبل رموز المدرسة البريلوية، الذين يذهب بعضهم إلى وصفه بأنه “نتاج سياق استعماري” أو “امتداد لتأثيرات تاريخية مرتبطة بالحقبة البريطانية”.وفي هذا الإطار، يركّز الخطاب البريلوي على انتقاد ما يراه تشددًا في التعامل مع الممارسات الدينية المرتبطة بالتبرك بالأضرحة والتوسل بالأولياء، وهي ممارسات تشكّل جزءًا من النسيج الديني والاجتماعي لدى أتباع هذه المدرسة، إلى جانب معتقدات أخرى مثل الإيمان بحياة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن زاوية تحليلية، يرى بعض الباحثين أن هناك تقاطعات معينة بين الممارسات البريلوية وبعض الممارسات السائدة في الأوساط الشيعية، وهو ما قد يفسّر—في بعض الحالات—حالة التقارب النسبي في المواقف تجاه قضايا إقليمية محددة.وعليه، يظهر في بعض الخطابات البريلوية مستوى من التعاطف مع طهران في سياق التوترات الإقليمية، لا سيما في مواجهة دول الخليج، وهو ما يعكس تداخل العوامل العقدية والسياسية في تشكيل المواقف داخل هذه المدرسة. ويقول الزعيم البريلوي المفتي منيب الرحمن …..لقراءة التقرير كاملًا، يُرجى التواصل مع إدارة المركز عبر الرابط التالي:
https://wa.me/message/3N7N34UX3MZ5F1




