المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز: د. عبدالغني أنجم
تحليلاتدراساتقراءات أمنيةمقالات

موقف باكستان من الحرب الإيرانية–الإسرائيلية

إعداد: وحدة الشؤون الدولية بمركز إندس للدراسات الباكستانية-

تقف باكستان في موقع بالغ الحساسية بين دول الخليج العربي — ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر — من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذا التوازن الاستراتيجي ليس مستجدًا، إلا أنه ازداد تعقيدًا في ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال عامي 2025–2026.

وتسعى هذه الورقة التقديرية إلى قراءة الموقف الباكستاني من الحرب الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية من ناحية، ومن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي من ناحية أخرى، في إطار تحليل سياسي يستند إلى ثوابت السياسة الخارجية لإسلام آباد.

أولًا: موقف باكستان من الحرب الإيرانية–الإسرائيلية

لا لبس في أن إسلام آباد تدعم طهران بشكل واضح وحاسم في مواجهة أي هجوم إسرائيلي عليها. فالموقف الباكستاني من إسرائيل راسخ وثابت، إذ تعتبرها دولة قائمة على الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، ولا تحظى باعتراف رسمي من الدولة الباكستانية. وينص الإطار الدستوري والسياسي لباكستان على رفض التعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية في النظام الدولي.

انطلاقًا من هذه الثوابت، لا يمكن لباكستان أن تقف إلى جانب إسرائيل، أياً كانت طبيعة الطرف المقابل لها في النزاع. وقد أعرب كل من رئيس الوزراء شهباز شريف، والرئيس آصف زرداري، ووزير الخارجية إسحاق دار، ووزير الدفاع خواجا آصف عن دعمهم ووقوفهم إلى جانب طهران ضد الهجوم الإسرائيلي.  إضافة إلى اقرار البرلمان التشريعي في إقليم السند قرارا تدين الاعتداءات الإسرائيلية على طهران.  فيما أوضح وزير الخارجية إسحاق دار خلال خطاب له أمام البرلمان أمس أن إسلام آباد أبلغت الولايات المتحدة موقفها بشأن النووي الإيراني وأكدت على أحقية إيران في امتلاك الأسلحة النووية وتخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية سلمية.
وهذه التصريحات السياسية والقرارات التشريعية والمواقف الباكستانية تؤكد وقوف باكستان إلى جانب إيران ضد إسرائيل. 
وفي استطلاع رأي أجراه مركز إندس للدراسات الباكستانية توصل المركز إلى أن ٩٠% من الشعب الباكستاني أبدوا تأييدهم لإيران ضد إسرائيل.  فيما يرى ١٠% فقط أن سياسات طهران تدفعهم إلى عدم شعورهم بالتعاطف مع طهران، مضيفين ان هذا لا يعني أنهم يقفون الى جانب إسرائيل.
ويذهب التحليل إلى أنه حتى في سيناريو افتراضي — وإن كان مستبعدًا — يتمثل في نشوب مواجهة بين الهند وإسرائيل، فإن الاعتبارات الجغرافية والدينية والسياسية قد تدفع إسلام آباد إلى اتخاذ موقف لا يتماهى مع إسرائيل، رغم الخصومة التاريخية مع نيودلهي.

وترتكز هذه المقاربة على أن إسرائيل تُعرّف نفسها كدولة يهودية، في حين تقوم باكستان على هوية إسلامية دستورية، وهو ما يجعل الاصطفاف إلى جانب إسرائيل أمرًا غير وارد في السياق السياسي والأيديولوجي الباكستاني، حتى مع وجود تباينات مذهبية أو عقدية فرعية مع إيران.

إضافة إلى ذلك، ترى القراءة المطروحة أن السياسات الإسرائيلية القائمة — بحسب هذا الطرح — على التمييز والعنصرية قد أسهمت في عزلتها إقليميًا، وهو ما يعزز موقف باكستان الرافض لدعمها. ويُنظر إلى هذا الموقف باعتباره نابعًا من تقييم سياسي وأخلاقي للسياسات الإسرائيلية، لا من اعتبارات ظرفية آنية.

وعند النظر إلى المسألة بعيدًا عن البعد الديني أو الجغرافي، تشير الورقة إلى غياب دوافع دبلوماسية أو مصالح استراتيجية مباشرة قد تحفّز باكستان على إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل أو دعمها سياسيًا أو عسكريًا.

دواعي التقارب المحتمل بين باكستان وإسرائيل:

رغم استبعاد فرضية التحالف الكامل بين باكستان وإسرائيل، إلا أن هناك عوامل نادرة قد تؤدي إلى تقارب دبلوماسي وتعاون سياسي محدود بين البلدين، وتشمل أبرزها:

1. عامل التقارب الباكستاني الأمريكي

تشهد العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة تحسنًا ملحوظًا وتقاربا غير مسبوق خلال هذه الايام. فهذا التقارب الغير مسبوق قد يدفع إسلام آباد إلى تبني سياسات مرنة تجاه إسرائيل، لأن إسرائيل هو ابن الأمريكان المدلل- حسب سردية العلاقات الدولية- ، ومن المستبعد أن تقوم باكستان بمهاحمة ابن صديقها الأمريكان. كما أننا نلاحظ هذه الأيام توافقا وتناغما شبه تام في الرؤى والسياسات بين واشنطن وإسلام أباد تجاه بعض القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فقد وافقت باكستان على الانضمام إلى لجنة السلام الدولية لإدارة قطاع غزة والمساهمة في إعادة إعمار غزة تحت إشراف ترمب، كما أعلنت إسلام آباد دعمها لمشروع حل الدولتين، وأبدت استعدادها لإرسال قوات باكستانية لحفظ السلام في غزة.
ويعني ذلك أنه في حال مشاركة القوات الباكستانية في غزة، ستتعامل باكستان مع إسرائيل كدولة طبيعية على المستوى الفلسطيني ضمن نطاق محدود يقتصر على إدارة القطاع، دون أن يشمل ذلك اعتراف إسرائيل كدولة طبيعية داخل باكستان.

2. عامل التحول في السياسة الإسرائيلية:

يشمل السيناريو النظري الآخر تحول إسرائيل من دولة عنصرية يهودية إلى دولة مدنية تقبل التعددية الدينية والتخلي عن سياساتها الطائفية الصهيونية. إضافة إلى انسحابها الكامل من اراضي فلسطين المحتلة والاعتراف  باحقية الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة لهم. 
ويُعد هذا الاحتمال بعيد المنال ويصعب تحققه، لكنه يظل عاملًا نظريًا قد يمهد لتقارب مستقبلي بين إسلام آباد وتل أبيب.

وبناءً على ما سبق، تخلص القراءة إلى أن احتمال وقوف باكستان إلى جانب إسرائيل في أي مواجهة مع إيران يظل مستبعدًا إلى حد كبير، استنادًا إلى الاعتبارات الدستورية والسياسية والأيديولوجية التي تحكم توجهات السياسة الخارجية الباكستانية.

لقراءة الموقف الباكستاني من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج يرجى الاطلاع على الجزء الثاني من هذه الورقة التقديرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى