المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز: د. عبدالغني أنجم
ثقافات باكستانيةثقافة وتاريخثقافة وتاريخصناعات باكستانيةمواقع تراثية

يوم الثقافة السندية وتراث السند العريق

إعداد: وحدة الثقافة والفنون بمركز إندس للدراسات الباكستانية- إسلام آباد-

يحتفل الشعب السندي في الأسبوع الأول من ديسمبر كل عام بثقافتهم الغنية وحضارتهم العريقة،ويمثّل يوم الثقافة السندية مناسبة وطنية يحتفي خلالها أبناء إقليم السند بتراث يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، ويُعدّ استمرارًا لحضارة وادي السند التي كانت إحدى أعظم الحضارات الإنسانية في التاريخ. ويبرز هذا اليوم الهوية السندية الأصيلة، من حضارة موهنجو دارو الشهيرة، إلى إرث العلماء والمتصوفة والشعراء الذين أثّروا في المشهد الثقافي لجنوب آسيا.

تاريخ السند وحضارة موهنجو دارو

يُعتبر إقليم السند موطنًا لحضارة وادي السند، التي ازدهرت بين عامي 3300 و1700 قبل الميلاد، وكانت مركزًا حضاريًا متقدّمًا بمدنه المخططة وأنظمته الهندسية المتطورة. وتعدّ مدينة موهنجو دارو، الواقعة قرب لاركانا، نموذجًا مدهشًا لعمران قديم يسبق عصره بآلاف السنين من حيث شبكات المياه والصرف وأساليب البناء المنظم.وقد شكّلت هذه الحضارة نقطة انطلاق لتقاليد راسخة في التجارة والفنون والحرف، وأرست أسس الشخصية السندية التي تجمع بين الهدوء، والحكمة، والتعايش.

السند والإسلام ودور الصحابة

دخل الإسلام إلى السند مبكرًا عبر التجار العرب، ووصل بشكل رسمي مع الفتح الإسلامي بقيادة محمد بن القاسم الثقفي عام 712م. وقد استقبل السكان المحليون الإسلام لِما وجدوا فيه من عدالة وروح مساواة. وتشير المصادر التاريخية إلى احترام السنديين للصحابة والتابعين الذين أسّسوا أوائل المجتمعات الإسلامية في المنطقة.واستمر تأثير الإسلام في تشكيل الهوية السندية من خلال انتشار المدارس الدينية، وازدهار الثقافة الصوفية، وظهور شخصيات روحانية كان لها أثر عميق في المجتمع، مثل شاه عبداللطيف بهتائي ولعل شهباز قلندر.

الطبيعة الجغرافية ومقارنتها بصحراء العرب

تتميّز السند بطبيعة متنوعة تشمل الأراضي الخصبة الممتدة على ضفاف نهر السند، إلى جانب مناطق صحراوية مثل صحراء ثار. ورغم اختلاف البيئة عن صحارى الجزيرة العربية، إلا أن الثقافة السندية تحمل تقاطعات مع الثقافة العربية، خصوصًا في قيم الضيافة والشجاعة والكرم والتمسك بالعادات.وقد ساهم امتداد الصحراء السندية في ظهور أنماط معيشية تشبه في جانب منها حياة البدو العرب، مع اختلافات في الزي واللغة والفنون الشعبية.

يوم الثقافة السندية: الهوية والاحتفال

انطلق الاحتفال بيوم الثقافة السندية عام 2009 كرد فعل شعبي دفاعًا عن الزي السندي التقليدي، قبل أن يتحوّل إلى مناسبة واسعة تُقام في أول أسبوع من ديسمبر من كل عام.وتشهد المدن الرئيسية مثل كراتشي، حيدر آباد، سكر، لاركانا ودادو فعاليات تراثية تتضمن المواكب الشعبية، العروض الفنية، الرقصات التقليدية، الندوات الأدبية، ومعارض الفخار والنسيج والحرف اليدوية.

رموز الثقافة السندية:

العاجرَك والقبعة السندية:

يمثل العاجرَك والقبعة السندية ركنين أساسيين في هوية السند الثقافية.العاجرَك هو وشاح مطبوع يدويًا بألوان زرقاء وحمراء بتصاميم هندسية فريدة، ويُعد رمزًا للكرم والاحترام.أما القبعة السندية المطرزة فهي رمز للهيبة والشرف، ويرتديها الرجال في المناسبات الرسمية والاحتفالات الشعبية.

الموسيقى والفنون الشعبية:

تتميّز الموسيقى السندية بروحها الصوفية، وتعتمد على آلات مثل الطنبورة والدهول والفلوت السندي. وتُعدّ الأغاني المرتبطة بالتصوف والتضرّع والسلام الداخلي من أبرز ملامح الفن السندي.الرقص الشعبي، وخاصة رقصة الدهول، يعبّر عن الفرح الجماعي في الأعراس والمهرجانات.

الأدب والشعر

يحتل الشعر السندي مكانة محورية في ثقافة الإقليم، خاصة شعراء التصوف الذين أسسوا مدرسة روحية مميزة. ويأتي شاه عبداللطيف بهتائي على رأسهم، إذ أن ديوانه “شاه جو رسالو” يعد من أهم الأعمال الأدبية في جنوب آسيا، جامعًا بين الحكمة، والعشق الإلهي، والعمق الفلسفي.

التصوف في السند

يمثل التصوف جزءًا متجذرًا في الحياة الاجتماعية والدينية للسنديين، حيث تنتشر الزوايا والمزارات التي أصبحت مراكز للتعليم الروحي والفكر الإنساني. وتستقطب مزارات مثل بهت شاه ولعل شهباز قلندر ملايين الزوار سنويًا، ما يعكس مكانة الروحانية في الوجدان الجمعي للسند.

العادات والتقاليد السندية

تتسم العادات الاجتماعية السندية بالبساطة والكرم، ويتجلى ذلك في المناسبات العامة والخاصة.في حفلات الزواج، تتضمن التقاليد طقوسًا مثل مراسم الميهو، الحناء السندية، والرقصات الجماعية المصحوبة بالدفوف.كما ترتبط المناسبات الدينية بالزيارات الأسرية وتلاوة الأشعار الصوفية وتقديم الطعام للفقراء.

الحرف اليدوية والمهارات التقليدية

تشتهر السند بمهارة نسّاجيها وصانعي الفخار وتطريز المرآة الذي أصبح علامة مميزة للزي النسائي. وتعدّ صناعة الفخار الأزرق في حيدر آباد واحدة من أقدم الصناعات التقليدية التي ما زالت تحافظ على أصالتها.

اللغة السندية

اللغة السندية واحدة من أقدم اللغات في المنطقة، وتتميّز بثروة لغوية غنية تأثرت بالعربية والفارسية والتركية عبر العصور. وهي لغة الأدب والشعر الصوفي، وتُدرّس رسميًا في المدارس والجامعات داخل الإقليم.

دلالات يوم الثقافة السندية

يمثّل هذا اليوم رسالة اعتزاز بالتراث الممتد بين الحضارة القديمة والإسلام والتصوف، ويعكس التنوّع الثقافي في باكستان، ويؤكد دور السند التاريخي في نشر العلم والروحانية والتعايش. كما يسهم الاحتفال السنوي في تعزيز الهوية الوطنية وتشجيع السياحة الثقافية.يوم الثقافة السندية ليس مجرد حدث سنوي، بل هو احتفاء بهوية حضارية عميقة جذورها في موهنجو دارو، وروحها في الإسلام والتصوف، ونبضها في الموسيقى والشعر واللغة والعادات المتوارثة. وتستمر الثقافة السندية اليوم في التأثير والإلهام باعتبارها إحدى أعرق ثقافات جنوب آسيا وأكثرها ثراءً وأصالة.

إقليم السند… حضارة ضاربة في التاريخ تُواجه واقعًا قاسيًا اليوم

يُعدّ إقليم السند أحد أعرق أقاليم جنوب آسيا، بحضارته الممتدة لآلاف السنين وإرثه الثقافي المتنوع الذي شكّل مهدًا للعلماء والمتصوفة والمفكرين. غير أن هذا الإرث الكبير يقابله اليوم واقع معيشي صعب تعيشه مدن الإقليم وقراه، نتيجة تراجع الخدمات الأساسية، وتدهور البنية التحتية، وتعمّق الأزمات المرتبطة بالمياه والصحة والتعليم والفساد وتدني الخدمات.

أزمة المياه… التحدي الأكبر أمام سكان كراتشي والسند

تكشف تقارير رسمية حديثة عن صورة صادمة لوضع المياه في كراتشي، أكبر مدن الإقليم وأكثرها كثافة سكانية. فقد أوضح تقرير صادر عن الهيئة الباكستانية لأبحاث الموارد المائية (PCRWR) أن ما يقرب من نصف سكان المدينة لا يحصلون على مياه صالحة للشرب بشكل منتظم، بينما تشير البيانات إلى أن أكثر من 90% من مصادر المياه في المدينة ملوّثة وغير آمنة للاستخدام المنزلي.ووفقًا للتقرير ذاته، يضطر نحو 81% من السكان إلى شراء المياه من مزوّدين خاصين، في ظل تعطل معظم محطات تنقية المياه وغياب الصيانة الدورية لشبكات التوزيع. ويؤدي هذا الوضع إلى انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه وتزايد الأعباء المالية على الأسر الفقيرة.

تآكل البنية التحتية… واقع عمراني هش وفوضى تنظيمية

تعاني كراتشي من انتشار واسع للبناء غير المخطط وظهور أحياء عشوائية تفتقر إلى أدنى الخدمات البلدية، وهو ما يضع ضغطًا هائلًا على بنية تحتية متهالكة أصلًا. وتفاقمت هذه الفوضى نتيجة ضعف الرقابة البلدية وتنامي الكثافة السكانية، ما أدى إلى عجز واضح في خدمات الصرف الصحي، تراكم النفايات، وتردّي شبكة الطرق التي باتت غير مهيأة لاستيعاب الحركة اليومية لملايين السكان.

المناطق الريفية… شحّ مياه ومجاعات في ثارپاركار

في الريف السندي، تتخذ الأزمة بعدًا أكثر قسوة، خصوصًا في مناطق مثل ثارپاركار التي تشهد ندرة حادة في المياه وموجات مجاعة متكررة. وتؤكد التقارير المحلية أن أقل من نصف سكان هذه المناطق يحصلون على المياه الصالحة للشرب بشكل ثابت، بينما تعتمد آلاف الأسر على آبار تقليدية ملوثة أو على مياه الأمطار الموسمية.وتثير مشاريع ري حكومية جديدة جدلاً واسعًا بين سكان الإقليم، الذين يخشون أن تؤدي سياسات تحويل مسارات المياه إلى تقليص حصتهم من نهر السند، ما يهدد الأراضي الزراعية ويُسرّع من وتيرة التصحّر في القرى الفقيرة.

تأثير مباشر على الصحة والتعليم والتنمية البشرية

امتداد هذه الأزمات يعكس نفسه بوضوح على الوضع الاجتماعي والإنساني في الإقليم، حيث أدى تدهور الخدمات إلى:

○ انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه والتلوث، خصوصًا بين الأطفال.

○ ضعف التحصيل الدراسي نتيجة أمراض متكررة أو اضطرار الطلاب لجلب المياه لمسافات طويلة.

○ ارتفاع معدلات الفقر وغياب الفرص الاقتصادية في المناطق الريفية والمهمشة.

إقليم السند، بماضيه العريق وثقافته المتجذرة، يقف اليوم أمام اختبار صعب يتمثل في قدرته على الصمود أمام تراجع الخدمات والبنية الأساسية. وبينما يحتفظ الإقليم بعمق حضاري يجعله جزءًا مهمًا من هوية باكستان الثقافية، فإن التحديات الخدمية والإنسانية باتت تهدد جودة حياة ملايين السكان وتضع مستقبل الأجيال القادمة أمام تحديات غير مسبوقة.إن معالجة هذه الأزمات تتطلب رؤية حكومية شاملة، واستثمارات مبنية على تخطيط فعّال، وإرادة سياسية حقيقية تعيد للسند مكانته التي يستحقها… حضارة مزدهرة، لا تاريخًا يُروى فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى