المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز: د. عبدالغني أنجم
قضايا كشميريةكلمة إندسمحلياتمقالات

5 فبراير: يوم التضامن مع كشمير… طقوس متكررة بلا أثر يُذكر-

كلمة مركز إندس للدراسات الباكستانية – إسلام آباد-

يجتمع الباكستانيون في الخامس من فبراير من كل عام للتعبير عن تضامنهم مع كشمير، والتأكيد على وقوفهم إلى جانب الشعب الكشميري وحقوقهم المشروعة. غير أن هذا اليوم ليس مناسبة منفردة، بل يأتي ضمن قائمة طويلة في باكستان من الأيام التضامنية مع الكشميريين.ومن أبرز هذه الأيام: يوم شهداء كشمير في 13 مايو من كل عام، ويوم كشمير الأسود في 27 أكتوبر من كل عام، ويوم 5 أغسطس من كل عام لإحياء ذكرى إلغاء الهند الوضع الخاص لكشمير. إضافة إلى ذلك، تُنظم فعاليات ومسيرات واحتجاجات من قبل السلطات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان في أوقات مختلفة، غالبًا بالتزامن مع أحداث جديدة تقع في كشمير أو داخل الهند. وتتنوع هذه الفعاليات بين رسمية وغير رسمية، ومن أهم مظاهر الاحتفاء بهذه الأيام التضامنية: إعلان العطلات الرسمية في باكستان، وتنظيم المسيرات التضامنية، وتشكيل السلاسل البشرية قرب خط السيطرة، إلى جانب الفعاليات الدبلوماسية والخارجية، والخطابات الرسمية للقيادة السياسية والعسكرية، والأنشطة المدرسية والجامعية. كما تُنتج أناشيد حماسية تصدرها القوات المسلحة الباكستانية والتنظيمات الجهادية، ويجري رفع العلمين الباكستاني والكشميري على الممتلكات الحكومية، ونصب لافتات التضامن في الشوارع والمرافق العامة.

لكن السؤال الأهم يظل مطروحًا: لماذا، رغم هذا العدد الكبير من أيام التضامن مع كشمير، لم تعد هذه المناسبات تخدم القضية الكشميرية، ولم يتحقق حتى الآن أي انتصار حقيقي لها على المستوى الدولي؟

في قضايا مثل كشمير وفلسطين، لم تعد المشكلة في غياب التضامن، بل في تحوله إلى طقس متكرر بلا أثر يُذكر.أيام التضامن، والمسيرات، والبيانات، والوسوم، باتت مألوفة للنظام الدولي، فلا تُربكه ولا تُمارس عليه ضغطًا حقيقيًا.لقد تحولت هذه الأيام والمناسبات من فعل سياسي مؤثر إلى طقس احتفالي رمزي. ففي بداياتها كانت تمثل أداة إحراج أخلاقي، ووسيلة لتعبئة الرأي العام، ومدخلًا للضغط الدبلوماسي والاقتصادي. أما اليوم، فقد أصبحت في كثير من الحالات مجرد فعاليات موسمية، وخطابات مكررة، وصور وشعارات تُستهلك إعلاميًا ثم تُنسى سريعًا.

فالسلطة الهندية لا تخشى الطقوس التضامنية التي ينظمها الباكستانيون داخل مبانيهم وحدودهم، بل تخشى الأفعال القابلة لإحداث كلفة حقيقية، والضغوط الدولية، والتحركات القانونية الجادة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

النظام الدولي لا يتحرك بالعاطفة. فالقضايا النزاعية لا تُحسم لأن العالم تعاطف أو أبدى مشاعر التضامن، بل عندما يتغير ميزان القوى، أو تتضرر المصالح الاقتصادية، أو تصبح تكلفة الاستمرار أعلى من تكلفة الحل. التضامن العاطفي، حين لا يُرفق بأدوات ضغط قوية، قد يُريح الضمير، لكنه لا يغيّر السياسات. كما أن التضامن غير المصحوب باستراتيجية واضحة يفرغ القضية من مضمونها. فعندما تتكرر الفعاليات دون خطة سياسية محددة، أو أهداف قابلة للقياس، أو أدوات متابعة ومساءلة، تتحول القضية إلى رمز أخلاقي ثابت بدل أن تبقى ملفًا سياسيًا متحركًا. والأسوأ من ذلك أن يصبح التضامن نفسه بديلًا زائفًا عن الفعل الحقيقي.

إلى جانب ذلك، يساهم الاستهلاك الإعلامي في إضعاف القضايا العادلة. فالإعلام العالمي يتعامل معها باعتبارها قصصًا موسمية، ويعيد تدوير المشاهد نفسها، ما يؤدي إلى تفريغ المأساة من صدمتها الأخلاقية، ويُضعف قدرتها على تحريك الرأي العام على المدى الطويل.

وقبل أيام، شاهدنا مثالًا صارخًا على هذا النوع من التضامن الفارغ، حين أعلن موقع غربي تجاري تغيير اسمه الإلكتروني إلى اسم “غزة” لمدة أسبوع بحجة التضامن مع أهلها. لم يكن الموقع معروفًا لدى الجمهور، لكن فريق التسويق استغل اسم غزة ضمن خطة دعائية تشهيرية نجحت في تحقيق أرباح بملايين الدولارات، بينما بقيت معاناة أهل غزة والقضية الفلسطينية على حالها. كان ذلك نموذجًا واضحًا للتضامن التجاري الاستعراضي، لا للتضامن الحقيقي.

إن القضايا لا تنتصر بالشعارات وحدها، بل عبر الضغط الاقتصادي كالمقاطعة وسحب الاستثمارات، والتحركات القانونية الدولية، وبناء رواية سياسية ذكية، والعمل الدبلوماسي المتراكم، والدعم الحقيقي للفاعلين على الأرض.التضامن مطلوب، لكن بوصفه مدخلًا للفعل، لا غاية في حد ذاته.

والخلاصة أن قضايا كشمير وفلسطين لم تفشل لأن العالم لم يتضامن معها، بل لأن التضامن تحوّل إلى طقس بلا كلفة، في حين أن العدالة لا تتحقق إلا عندما يصبح الظلم مكلفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى