المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز: د. عبدالغني أنجم
خبر و تعليقدراساتسياسةقراءات أمنيةكلمة إندسمحلياتمقالات

باكستان على حافة الانفجار: الجيش وعمران خان في مواجهة مفتوحة بلا خطوط حمراء

كلمة مركز إندس للدراسات الباكستانية- إسلام آباد-

تتفاقم حدة التوتر بين قيادة الجيش الباكستاني وزعيم حركة إنصاف ورئيس الوزراء الأسبق عمران خان وسط تبادل غير مسبوق للاتهامات، وصل إلى حد وصف كل طرف للآخر بـ”المختل عقلياً”، في مشهد يعكس مستوى التدهور السياسي والانقسام الحاد داخل البلاد. فقد نشر حزب حركة إنصاف بياناً منسوباً إلى عمران خان وجّه فيه اتهاماً مباشراً لقائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، واصفاً إياه بـ”المختل عقلياً”. وفي اليوم التالي، ظهر المتحدث باسم الجيش الباكستاني في مؤتمر صحفي، ووجّه انتقاداً لاذعاً لعمران خان، واصفاً إياه هو الآخر بـ”المختل عقلياً”، معتبراً أنه يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي.

وتعود جذور الأزمة إلى إقصاء حزب عمران خان عن الحكم عام ٢٠٢٢م عبر استفتاء برلماني قال خان إنه جاء نتيجة “هندسة سياسية” لصالح نواز شريف وآصف علي زرداري، وبدعم هندي أمريكي. وقد فجّرت تلك التطورات موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية التي دفعت السلطات لاحقاً إلى اعتقال عمران خان وإيداعه السجن بتهم فساد مالية مزيفة. ومع صدور قرار المحكمة العليا بحظر حزب حركة إنصاف من خوض الانتخابات العامة لعام 2024 وسحب رمزه الانتخابي، إلى جانب اعتقال غالبية مرشحيه، فاز حزبا نواز شريف وزرداري بالانتخابات (بالتزوير) على الرغم من افتقارهما – بحسب مراقبين – لقاعدة جماهيرية واسعة في بلد يتبع النظام الجمهوري. ورغم التضييق السياسي والهزيمة الانتخابية، لم يتراجع حزب عمران خان عن المواجهة داخل البرلمان وخارجه، واستمر في مواجهة الحكومة والجيش على حد سواء. غير أن التحول الأبرز جاء عقب انتصار باكستان في الحرب مع الهند، وهو الانتصار الذي أسهم في تعزيز صورة الجيش داخلياً، حيث لاحظ مراقبون التفافاً شعبياً واسعاً حول المؤسسة العسكرية، بما في ذلك أنصار عمران خان الذين اصطفّوا مع الجيش في مواجهة الهند.

وبعد هذا الالتفاف الشعبي، صوّت البرلمان الباكستاني على ترقية قائد الجيش الجنرال عاصم منير إلى رتبة مشير، وهو قرار حظي بدعم من نواب حركة إنصاف أيضاً. غير أن المؤسسة العسكرية، وفق مراقبين، لم تستثمر هذا الإجماع لتخفيف التوتر السياسي، بل اتجهت لتعزيز نفوذها داخل النظام المدني.فقد أقرّ البرلمان تعديلات دستورية اعتُبرت في الداخل (أغلبية الاحزاب السياسية والجماعات الدينية رفضت هذه التعديلات معتبرين الاستثناء والحصانة مدى الحياة مخالفا للدستور الباكستاني والشريعة الإسلامية )، وفي الخارج (نواب امريكيون ومنظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة اعتبروها “منحازة لصالح المؤسسة العسكرية”.

وأبرز بنود هذا الدستور المعدل المثير للجدل منح حصانة مدى الحياة للمشير عاصم منير والرئيس آصف على زرداري، وهو ما أثار موجة من الانتقادات بشأن شرعية التعديلات. كما تم تقييد صلاحيات المحكمة العليا واستحداث “محكمة فيدرالية” جديدة بسلطات واسعة، عُيّن على رأسها قاضٍ مقرب من زرداري، لتكون صاحبة الولاية على القضايا المتعلقة بالبرلمان والجيش.

ولم تقف التغييرات عند هذا الحد، إذ استحدثت الحكومة قسماً جديداً ضمن الهيكل العسكري تحت اسم “قوات الدفاع الباكستانية”، وعيّنت المشير عاصم منير قائداً لها إلى جانب مناصبه الحالية، ما أثار موجة انتقادات واسعة من مختلف الأحزاب السياسية.

وبحسب مصادر سياسية، فقد عارض نواز شريف – من لندن – قرار استحداث المنصب الجديد، واعتبره منافياً لسياسات حزبه الرافضة لتمدّد الدور العسكري في الحكم المدني، ما دفع رئيس الوزراء شهباز شريف للسفر إلى لندن لإقناعه. وقد تأخر صدور القرار يومين عن موعده المُفترض بسبب هذا الخلاف.

وبمجرد الإعلان رسمياً عن تعيين المشير عاصم منير قائداً لقوات الدفاع، شن عمران خان هجوماً لاذعاً عبر تغريدة وصف فيها قائد الجيش بـ”المختل عقلياً”، وهي التصريحات التي أحدثت تغيراً ملحوظاً في المزاج الشعبي تجاه الجيش، خصوصاً بعد سلسلة التعديلات الدستورية المثيرة للجدل. وقد اعتبر مراقبون هذا الهجوم نقطة تحول جديدة في علاقة الرأي العام بالمؤسسة العسكرية، وعودة لأجواء ما قبل الحرب مع الهند. وقد انهارت شعبية الجيش الباكستاني إلى ٤٠% فور تغريدة عمران خان وفق مؤسسة غالوب.

وردّ الجيش سريعاً عبر المتحدث الرسمي الجنرال أحمد تشودري، الذي شنّ هجوماً مضاداً في مؤتمر صحفي، دون أن يسمي عمران خان، لكنه وصفه بـ”المختل عقلياً” و”التهديد الحقيقي للأمن القومي”. إلا أن هذا التصريح انعكس سلباً على الجيش، إذ واجه انتقادات متزايدة داخل الشارع الباكستاني، الذي رأى في هذا الخطاب تأجيجاً للأزمة السياسية بدلاً من احتوائها، وتدخلا مباشرا في السياسة الوطنية، حيث تحول الجيش من نظام عسكري إلى حزب سياسي معارض لحزب عمران خان، وفق المحللين والمراقبين الحياديين. وبذلك، تدخل العلاقة بين الجيش الباكستاني وعمران خان مرحلة جديدة من التصعيد، وسط نظام سياسي يشهد إعادة تشكيل واسعة، وانتقادات حادة للدستور المعدل، وتنامي المخاوف من انزلاق البلاد إلى مزيد من الاستقطاب السياسي والمؤسسي.

تحليل مركز إندس للتطورات الأخيرة

يرى مركز إندس للدراسات الباكستانية أن ما تشهده الساحة السياسية من توترات متصاعدة هو نتاج تراكمات وأخطاء متبادلة من جميع الأطراف، وليس من طرف واحد فقط. فالمؤسسة العسكرية لم تكن وحدها في صناعة الأزمة الراهنة،رغم أنها متهمة بذلك، كما أن حزب عمران خان وأنصاره أسهموا في تأجيج المشهد عبر تصريحات صدامية وغير مسؤولة استهدفت الجيش وقيادته. وكذلك بعض سياسات الجيش الباكستاني أضرت بالمصالح القومية وأدت إلى خلق أزمة سياسية معقدة.

إن استحداث “قوات الدفاع” ضمن الهيكلية العسكرية يمثل خطوة تنظيمية بحتة داخل الجيش الباكستاني، ولا تحمل طابعًا سياسيًا أو استهدافًا مباشرًا لأي حزب. وبالتالي، فإن ربط هذه الخطوة بمواقف سياسية أو اعتبارها موجهة ضد حزب بعينه — كما يروج بعض أنصار عمران خان — لا يستند إلى قراءة واقعية للوقائع. كما أن التعديلات الدستورية واستحداث مناصب وأنظمة عسكرية جديدة بهذه السرعة تثير شكوكا حول نية الجيش الباكستاني. وعليه، فإن الهجوم السياسي على قائد الجيش بسبب تعديل إداري داخلي لا يُعد مبررًا من الناحية الدستورية أو السياسية.

وفي المقابل، أخطأت المؤسسة العسكرية حين سمحت لنفسها بالانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع عمران خان، وهو زعيم يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة داخل البلاد وخارجها. فقد أدى هذا الاشتباك العلني إلى تعزيز حالة الالتفاف الشعبي حول عمران خان وأضعف صورة الجيش في نظر شريحة معتبرة من المجتمع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تماسك مؤسساتها لا إلى تصادمها.

ومن المؤسف أن يتورط الطرفان في تبادل نعوت مسيئة تمس هيبة الدولة ومكانة مؤسساتها؛ فاتهام قائد الجيش بصفات لا تليق، كما ورد في تصريحات عمران خان، أمر غير مقبول بأي معيار سياسي أو أخلاقي. وبالمثل، فإن تصريحات رسمية أو شبه رسمية من الجيش تشكك في سلامة عمران خان أو تصفه بأنه “تهديد أمني” ” ومختل عقليا” تُعد خروجًا عن إطار الخطاب المؤسسي المنضبط.

وتؤكد خلاصة تقييم مركز إندس أن استمرار هذا النهج من الاتهامات والتجاذبات لا يخدم سوى تعميق الأزمة، والإضرار بمصالح الدولة ومكانة الجيش والعمل الحزبي على حد سواء. ومع تصاعد التحديات الإقليمية — من توتر العلاقات مع الهند، وتصعيد الموقف مع أفغانستان، وتدهور الوضع الأمني في بلوشستان — تصبح التهدئة والحوار ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

وبناءً عليه، يدعو المركز الجيش وقيادة حزب عمران خان إلى ضبط الخطاب، والعودة إلى مسار التفاهمات السياسية، ويدعو الأطراف الخارجية المؤثرة ” واشنطن، الرياض، بكين وانقرة ) إلى التدخل لحل الخلافات بين الجيش الباكستاني وعمران خان،حفاظًا على استقرار باكستان ومنع انزلاقها نحو مزيد من الاضطراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى