اجتماع باكستان: سلام قسري أم مواجهة مفتوحة؟

سالمة الموشي- كاتبة سعودية-

مركز إندس للدراسات الباكستانية- إسلام آباد-

تتجه أنظار العالم اليوم نحو إسلام آباد لأن ما سيجري هناك يبدو أبعد من جولة مفاوضات تسير على المسار الدبلوماسي المعتاد، بل يظهر المشهد أقرب إلى اختبار قاس للحسابات الإستراتيجية، إذ تتداخل المصالح الجيوسياسية مع تهديدات عسكرية صريحة، ويُلاحظ هنا حجم التناقضات والتباين بين الرواية الأميركية التي تتحدث عن وفد رفيع يقوده ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وبين النفي الإيراني المتكرر لوجود نية حل يلوح في الأفق، أو حل متوقع أو حتى اتفاق على جدول محادثات.

يسبق هذا النوع من الإنكار الدبلوماسي في العادة تسويات كبيرة وربما تصعيد يبدل ملامح المنطقة، ففي الخلفية عقدة معقدة هي مضيق هرمز، واقتصاد إيراني مثقل بحصار بحري غير مسبوق، وطاولة محادثات في باكستان تحاول واشنطن عبرها الدفع بترتيب أمني جديد للمنطقة تحت ضغط مباشر، وهنا نخلص إلى أن التصريحات الإيرانية التي وصفت الأخبار الأميركية بأنها لعبة إعلامية، تبدو جزءاً من تكتيك تفاوضي يدار تحت الضغط.تعرف طهران أن مجرد الجلوس إلى الطاولة بينما يخنق الحصار البحري شريانها المالي قد يُعرض داخلياً، وسط تنافس الأجنحة وأزمة الداخل، بوصفه تنازلاً قاسياً، ولذلك تخفض سقف التوقعات علناً مع ترك قنوات خلفية مفتوحة كخط رجعة عبر وسيط باكستاني يُنظر إليه كصندوق بريد موثوق بين الطرفين، وفي الوقت نفسه تحمل الشكوى من “مطالب أميركية مفرطة وغير معقولة”، وفي إشارة من إيران إلى أن إدارة ترمب لا تكتفي بالحديث عن عودة مدروسة لاتفاق نووي، بل تمارس ضغطاً كبيراً لتفكيك قدراتها الإستراتيجية، فإن ما تراه طهران تغييراً متكرراً للمواقف هدفه انتزاع أوراق القوة قبل بدء تفاوض فعلي.

في واشنطن أيضاً تظهر إدارة ترمب بثقة تميل إلى الاستعراضية، فالإعلان عن تحرك وفد رفيع مع التلميح إلى احتمال حضور ترمب شخصياً إلى باكستان لتوقيع اتفاق تاريخي يضع القيادة الإيرانية في موقف حرج يخفض خياراتها في الرفض، وهنا قد لا تبدو واشنطن وكأنها تفاوض بالمعنى التقليدي بقدر ما تدفع طهران إلى خياري القبول بـ “اتفاق باكستان”، وفق شروط مرتبطة بالمصالح الأميركية والإقليمية، أو مواجهة حملة تدمير واسعة تطاول بنى تحتية حيوية.

من خلال قراءة المشهد الحالي يتضح أن التهديد لم يعد همساً في الغرف المغلقة بل صار جزءاً من خطاب علني يتبنّاه ترمب نفسه حين يتحدث عن ضرب “كل محطة طاقة وكل جسر” في إيران، مؤكداً أن “زمن اللطف قد انتهى”. وبتقصي ما وراء خطاب ترمب الأخير عبر منصته “تروث سوشال”، يظهر بوضوح سعيه إلى تقليل قيمة إحدى أقوى أوراق إيران تاريخياً وهي مضيق هرمز، حين يقول إن “حصارنا أغلقه بالفعل”، فهو يلمّح إلى أن التلويح الإيراني بإغلاق الممر الملاحي لم يعد، أقله في الخطاب الأميركي، ورقة ضغط حاسمة بل قد ينقلب على صاحبه، وبهذه الطريقة يحاول إقناع العالم وبخاصة القوى الآسيوية بأن واشنطن حوّلت سلاح المضيق من أداة ابتزاز محتملة إلى عبء مالي وأمني على طهران وحدها، مع خسائر يقدّرها بـ 500 مليون دولار يومياً.

وفي السياق نفسه فإن اتهامه “الحرس الثوري” بإطلاق النار على سفن فرنسية وبريطانية ليس مجرد وصف إعلامي عابر، بل خطوة لإعداد أرضية شرعية دولية لأي عمل عسكري مقبل، عبر تصوير إيران كتهديد لأمن الملاحة العالمية لا للمصالح الأميركية فقط، ومن جهته يسعى “الحرس الثوري” عبر ما يوصف بـ “الطلقات التحذيرية” إلى التأكيد أنه لا يزال لاعباً ميدانياً حاسماً، وأن أي اتفاق في باكستان لن يمر من دون حسابات المؤسسة العسكرية في طهران.

ملخص

توحي المعطيات بأن جلسة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد لن تكون نقاشاً عادياً بل اختباراً قد يحدد اتجاه المنطقة لأعوام، فيما تبدو الاحتمالات محدودة ومحفوفة بالأخطار.

-الكاتبة مختصة بالسياسات الثقافية، والتاريخ الحديث، والتحولات الثقافية والسياسة كقوة ناعمة ومؤثرة في تشكيل المشهد الإقليمي-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »