ماذا لو استهدفت إسرائيل الوفد الإيراني في باكستان؟
بقلم: عبدالغني أنجم – رئيس مركز إندس للدراسات الباكستانية-
دون الخوض في أسباب عدم التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين الإيراني والأمريكي خلال مفاوضات إسلام آباد، نتناول هنا قضية جوهرية تمسّ الجميع، وهي قضية تكشف مدى شرعية وعدم شرعية استهداف إيران لدول الخليج، بحجة وجود قواعد أمريكية على أراضيها. أفادت تقارير إعلامية باكستانية رسمية بأن باكستان وفرت غطاءً جويًا غير مسبوق للوفد الإيراني عند دخوله المجال الجوي الباكستاني، وذلك وفقًا للبروتوكولات الرسمية، ونظرًا لحساسية الأوضاع الراهنة. كان الوفد الإيراني يضم قيادات إيرانية بارزة، تعتبر من بين القادة الإيرانيين المتبقين في مواجهتهم مع إسرائيل وواشنطن، رغم أنهم يقعون على رادار الاستهداف الإسرائيلي. وبفضل التدخل الباكستاني، وجدت كل من طهران وتل أبيب لحظة تنفس لإعادة الهدوء إلى مواطنيها. وكان خروج الوفد الإيراني من الأراضي الباكستانية في هذا الوضع الحساس مضمونًا بضمانات باكستانية، إذ أدركت إسلام آباد جيدًا أن الحفاظ على سلامة هذا الوفد يشكل مسؤولية مباشرة عليها، خاصة أنه جاء كضيف رسمي على أراضيها. لكن لنفترض أن إسرائيل، في بحثها عن هذه القيادات الإيرانية لاستهدافها، وجدت فرصة سانحة لضربها داخل الأراضي الباكستانية، بعد أن أصبحت مواقع هذه الشخصيات مكشوفة. فاغتنمت إسرائيل هذه الفرصة، ونفذت عملية استهداف باستخدام مسيرة حديثة أثناء توجه الوفد من المطار إلى فندق سرينا، حيث كانت المفاوضات ستُعقد. أسفر هذا الاستهداف الإسرائيلي عن مقتل عدد من رجال الأمن الباكستانيين، وعدد من القيادات الإيرانية، إضافة إلى إصابة مواطنين باكستانيين بجروح جراء شظايا المسيرة. هنا يبرز التساؤل الجوهري: كيف سيكون رد الفعل الإيراني، وكيف سيكون رد الفعل الباكستاني؟ في هذا السياق، لا يهمنا رد الفعل الإيراني بقدر ما يهمنا الرد الباكستاني المفترض، إذ إن هذا الرد هو الذي سيحدد شرعية – أو عدم شرعية – استهداف إيران لدول الخليج بحجة وجود القواعد الأمريكية. الرد الباكستاني سيكون حاسمًا: إدانة قوية، مصحوبة باستعداد فوري للرد العسكري على إسرائيل. وبالتالي، قد تدخل باكستان في هذه الحرب، وتضرب إسرائيل بكل ما تملكه من قوات وأسلحة وأنظمة دفاعية جوية وبحرية وبرية. وقد يدفع هذا الرد المنطقة برمتها إلى حرب نووية، سيعاني العالم من مرارتها. هنا يطرح التساؤل نفسه: من كان السبب في دخول باكستان هذه الحرب؟ الجواب واضح: إسرائيل هي السبب، لأنها استهدفت الأراضي الباكستانية، وتجاوزت الخطوط الحمراء، وانتهكت سيادة الدولة. قد تحاول إسرائيل تبرير هذا الاستهداف بحجة وجود الوفد الإيراني – الذي تعتبره عدوًا لها – داخل باكستان. هل ستسكت باكستان على مثل هذا التبرير؟ بالتأكيد لا. لن تقبل إسلام آباد به، ولن تتردد في الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. في هذه الحالة، سيقف العالم إلى جانب باكستان، بما في ذلك إيران نفسها، لأن الموقف الباكستاني يُعد موقفًا عقلانيًا يمنحها الحق في استهداف الأراضي الإسرائيلية دفاعًا عن سيادتها. والآن، تنطبق هذه الحالة تمامًا على استهداف إيران لدول الخليج بحجة وجود القوات الأمريكية. فكما أن استهداف إسرائيل المفترض للوفد الإيراني داخل باكستان يُعد انتهاكًا واستهدافًا مباشرًا لباكستان، كذلك يُعد استهداف إيران للقواعد الأمريكية في الخليج انتهاكًا واستهدافًا لسيادة هذه الدول. إن الوفد الإيراني، بمجرد دخوله الأراضي الباكستانية، أصبح جزءًا من السيادة الباكستانية. وكذلك الحال بالنسبة للقواعد الأمريكية والمواطنين الأمريكيين في دول الخليج، فهم يدخلون ضمن سيادة هذه الدول. القواعد الأمريكية في الخليج ليست أراضي أمريكية، بل هي موجودة على أراضٍ ذات سيادة، تمامًا كما كان الوفد الإيراني ضيفًا على الأراضي الباكستانية. وهذه القواعد كانت موجودة قبل اندلاع الحرب الحالية، ولم تُنشأ من أجلها. لذا، فإن التبرير الإيراني لاستهداف دول الخليج بحجة وجود هذه القواعد يفتقر إلى المنطق العسكري والدبلوماسي والسياسي. فعلى إيران أن تواجه إسرائيل وتضربها بشكل مباشر دون لف ودوران. ففي حالة التزام إيران باستهداف إسرائيل فقط فستكون النتائج إيجابية بالنسبة لإيران. أما استهداف دول الخليج بمبررات غير منطقية فلن يخدم مصالح إيران. فالسيادة الوطنية مبدأ لا يقبل التجزئة أو الانتقائية. وأي انتهاك له – مهما كانت الذريعة – يفتح الباب أمام فوضى إقليمية ودولية خطيرة.

