ما بعد مفاوضات إسلام آباد
كتبه/ أحمد علي كاظمي( محامي وخبير في القانون الدولي )-ترجمة: فريق مركز إندس للدراسات الباكستانية-
تؤكد التصريحات التي أدلى بها الرئيس ترمب عقب جولة المفاوضات أن تقدماً ملحوظاً قد تحقق إلى حد كبير. فقد قال، حرفياً، إن “معظم ما تم الاتفاق عليه أفضل من الاستمرار في العمل العسكري”. كما أشار بالاسم إلى أعضاء الوفد الإيراني، متحدثاً عنهم بإيجابية، ومؤكداً أن المباحثات جرت في أجواء ودية.
وبحسب تصريحاته، يتمحور الخلاف حول نقطتين أساسيتين: أولهما: فرض رسوم على معبر مضيق هرمز، ووثانيهما: تفكيك البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. ويبدو أن إيران تسعى للاحتفاظ بأحد هذين الخيارين دون تنازل، في حين تصر الولايات المتحدة على سحبهما معاً.أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فهو يقعفف ضمن الحدود الجغرافية لكل من إيران وعمان، ولا يُعد جزءاً من أعالي البحار. غير أن اتفاقية الأمم المتحدة تنص على أن الممرات المائية التي تشكل طرقاً للملاحة الدولية—حتى وإن كانت ضمن المياه الإقليمية لدولة ما—لا يجوز إغلاقها أو فرض رسوم على الإبحار فيها. وإن وقّعت إيران على هذه الاتفاقية عام 1982، لكنها لم تُدمجها ضمن تشريعاتها الوطنية، ما يجعلها لا تعتبر نفسها ملزمة بها قانونياً، رغم أنها لم تفرض تاريخياً أي رسوم على السفن العابرة، التزاماً بالأعراف الدولية التي تحظر ذلك. وفي ما يبدو أنه في محاولة للضغط، أعلن ترامب حصار مضيق هرمز عبر البحرية الأمريكية بشكل كامل، ومنع أي سفينة من المرور عبرها. وقد يبدو هذا الإجراء متناقضاً، إلا أن الهدف الظاهر منه هو دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط اقتصادي، خاصة وأن هرمز تعد من أكبر ممرات النفط الإيراني، وتعتمد بشكل شبه كامل على هذا المضيق في صادراتها. كما أن نحو ربع إمدادات النفط المتجهة إلى الصين تمر عبر هذا الممر الحيوي. ويبدو أن هذه الخطوة تهدف أيضاً إلى دفع الصين للعب دور في إعادة إيران إلى طاولة التفاوض، تمهيداً لتمرير ما وصفه ترامب بـ“الصيغة النهائية والأفضل”. ومن المرتقب أن يعقد ترامب اجتماعاً مهماً مع الرئيس الصيني خلال الشهر المقبل، ما يعزز احتمال التوصل إلى تفاهمات قبل ذلك الموعد.أما بالنسبة لإيران، فقد تضمن هذا التفاوض إعادة أصولها المالية المجمدة، ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط والتجارة. وفي ظل الظروف الراهنة، تمثل هذه الحوافز خيارات مغرية، إلا أن طهران تسعى—قدر الإمكان—للاحتفاظ بها من السيطرة سواء على برنامجها النووي أو على مضيق هرمز.

وفي سياق متصل، أبدى ترامب مجدداً ثقته في القيادة الباكستانية، واصفاً إياها بـ“الأشخاص الاستثنائيين والراءعين”، ما يشير إلى استمرار الدور الدبلوماسي الباكستاني في هذا الملف. وقد غادر الوفد الإيراني في وقت لاحق، بعد أن أجرى على الأرجح مشاورات مع الجانب الباكستاني بشأن العرض الأمريكي. ومن المتوقع أن تستمر إسلام آباد في لعب دور الوسيط عبر قنوات خلفية خلال الأيام المقبلة، في ظل ثقة الأطراف بها كوسيط نزيه.
الكاتب محامي في المحكمة الباكستانية العليا وخبير في القانون والعلاقات الدولية-
