باكستان في مرمى الانتقام الإسرائيلي… تركي الفيصل يفضح الخطة وCBS يشن هجوماً مفبركاً
إعداد: قسم المتابعات- مركز إندس للدراسات الباكستانية-
منذ أن نشر الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، مقالته الجريئة التي كشف فيها كيف أفشلت السعودية وباكستان «الخطة الإسرائيلية» الرامية إلى جر دول الخليج إلى مواجهة إيرانية-أمريكية-إسرائيلية، اندلعت موجة واسعة من التفسيرات السياسية والإعلامية. اعتبرت بعض المنصات غير الرسمية أن المقال يحمل رسائل غير مباشرة حادة موجهة إلى الإمارات، ورأى آخرون فيه انتقاداً مبطناً للموقف الإماراتي من إيران، بل ذهب بعضهم إلى حد تصويره كدفاع عن طهران أو تبرير لأي استهداف إيراني محتمل للإمارات. لكن هذه القراءات تبدو في جوهرها ردود فعل نابعة من انزعاج بعض الدوائر، التي شعرت بأن الإشارة الصريحة إلى الدور الباكستاني في إفشال المخطط الإسرائيلي تكشف – بشكل غير مباشر – عن تأثير باكستان في رسم السياسات الخليجية تجاه إسرائيل. كما يلمح المقال إلى تباينات إقليمية حساسة وترتيبات خفية جرت بعيداً عن الأضواء بين الرياض وأبوظبي حول الملف الإيراني. لم يقتصر الأمر على السجال السعودي-الإماراتي، بل امتد فوراً إلى باكستان. في اليوم التالي من نشر مقال الأميرتركي، بثت شبكة CBS News تقريراً مثيراً للجدل استند إلى مزاعم منسوبة لـ«مسؤولين أمريكيين مجهولين»، زعم فيه وجود طائرات عسكرية إيرانية داخل الأراضي الباكستانية.التقرير، الذي أعده ثلاثة صحفيين (اثنان أمريكيان وثالث أفغاني)، يُوصف من قبل مراقبين بأنه ضعيف مهنياً واستقصائياً إلى أبعد الحدود. إذ اعتمد أساساً على رصد طائرات إيرانية في قاعدة نور خان العسكرية قرب إسلام آباد، تزامناً مع زيارة وفد إيراني رسمي – وهو أمر لا يكفي بأي حال لإثبات وجود «إيواء عسكري» كما حاول التقرير الإيحاء به بقوة.

بعد قراءة تفاصيل التقرير وخلفية معديه، تتضح الصورة تدريجياً. إنه يعكس أسلوباً مألوفاً سبق أن استخدمته صحف النظام السوري، أو يمارسه بعض المحللين على وسائل التواصل: نشر صور مثيرة وعناوين عريضة تثير الفتنة، ثم الصمت عندما يتبين كذب الخبر.
تساؤلات جوهرية تكشف ضعف التقرير:
أولاً: لو كانت باكستان تقوم بـ«إيواء» طائرات إيرانية بهذه الطريقة، هل كان من الممكن أن تجهل ذلك الإدارة الأمريكية بينما يعلمه صحفيان أمريكيان وأفغاني؟ أين الحد الأدنى من المنطق؟ نجد الرئيس الأمريكي يوزع المديح على باكستان فيما يبدو «جاهلاً» تماماً بالأمر!
ثانياً: قبل وقف إطلاق النار لم تدخل أي طائرة إيرانية الأراضي الباكستانية ولم يدعي هؤلاءالصحفيون الثلاثة بذلك في CBS. بعض الطائرات وصلت فقط مع بدء المفاوضات. فلماذا لم يكشف معدو التقرير عن وجود طائرات عسكرية إيرانية قبل المفاوضات او في اوج الحرب؟
ثالثاً: خلال فترة المفاوضات لم تأتِ الطائرات الإيرانية وحدها، بل جاءت أيضاً طائرات أمريكية وطواقم أمنية، وكانت متوقفة في القاعدة نفسها. كل شيء كان معروفاً وشفافاً للجانبين وحتى أمام الكاميرات. فلماذا هذه الضجة الإعلامية كأنها اكتشاف غير مسبوق؟
رابعاً: حتى بعد انتهاء الجولة الأولى، استمرت الاتصالات وبقيت بعض الطائرات، مع توقع جولات جديدة. هل يعني ذلك «إيواء عسكري»؟
خامساً: زار وزير الخارجية الإيراني باكستان مرتين بعد الجولة الأولى، ووفرت الآلية الأمنية الموجودة الدعم اللوجستي لهذه الزيارات. أليست هذه إجراءات أمنية وبروتوكولية دبلوماسية عادية في ظل حالة حرب؟
سادساً: الطائرات وصلت بعد وقف إطلاق النار، حين كانت المفاوضات جارية ولم يكن هناك أي هجوم أمريكي متوقع. فلماذا يحتاج الإيرانيون إلى إرسال طائراتهم «لحمايتها» في وقت لم يكن فيه تهديد؟
سابعاً: عادة في الحروب تُتهم الدول بسماح استخدام مجالها الجوي لشن هجمات. لو أراد التقرير أن يكون مؤثراً لقام باتهام باكستان بذلك. أما «إيواء طائرات» بعد وقف النار فهو منطق ضعيف جداً.
مستخلص المقال يصل إلى نتيجة واضحة: أثناء الحرب بقيت الطائرات في إيران، وبعد انتهائها وتحقق وقف إطلاق النار أرسلوها إلى باكستان «لحمايتها»؟ أية حماقة هذه؟ من الواضح أن هذا ليس خبراً مهنياً، بل عمل تخريبي مقصود يهدف إلى تشويه الدور الباكستاني. بعض القوى لا تستطيع تحمل أن باكستان أحبطت المؤامرة الإسرائيلية الخبيثة التي كانت تهدف إلى إشعال حرب إيرانية-عربية في المنطقة. لذا بدأت حملة تشويه مدفوعة بالإحباط. يحاولون تصوير دور باكستان كطرف في النزاع وليس وسيطاً. هذه دعاية خبيثة لا تتوافق مع الحقائق ولا مع أبسط قواعد المنطق. ما مصلحة باكستان في الانحياز لأحد الأطراف واستعداء الولايات المتحدة؟ من يفهم أسس السياسة الخارجية الباكستانية يدرك أن ذلك مستحيل. سارعت وزارة الخارجية الباكستانية إلى نفي المزاعم بشدة، مؤكدة أن وجود الطائرات كان جزءاً طبيعياً من الترتيبات الأمنية للوفد الإيراني – إجراء متعارف عليه دولياً في الزيارات الرسمية الحساسة.
وفي سياق أكثر جرأة، أفاد مصدر دبلوماسي باكستاني رفيع وآخر سياسي بأن هذه المزاعم تمثل محاولة إسرائيلية واضحة لتشويه الدور الباكستاني في الوساطة بين طهران وواشنطن. ووصف المصدر الرواية التي تبنتها CBS بأنها «سردية صيغت بتأثير إسرائيلي وتضخيم إعلامي أفغاني»، خاصة بعد تسليط الأمير تركي الفيصل الضوء على الدور الباكستاني. فيما أكد الكاتب الإعلامي الباكستاني البارز حامد مير أن إسرائيل حاولت جر دول الخليج إلى الحرب ضد إيران بنفس الطريقة التي دفعت بها واشنطن نحو التصعيد مع طهران، لكن «السياسة الخليجية الواعية» أحبطت هذا المسار. يرى متابعون أن ذكر باكستان بالاسم في مقال تركي الفيصل وضع إسرائيل في موقف حرج، وأثار انزعاجاً واضحاً في أوساط إماراتية، كما يتجلى في تعليقات شخصيات إماراتية بارزة مثل الدكتور عبدالخالق عبدالله وسيف الدرعي والعامري وغيرهم. ويذهب مراقبون باكستانيون إلى أن إسرائيل تقف خلف نشر التقرير في CBS، بينما تولى الإماراتيون ترويجه بقوة في الفضاء الرقمي والإعلامي الخليجي.
بين مقال تركي الفيصل السعودي وتقرير CBS الأمريكي، تؤكد الأحداث أن المنطقة تشهد تصعيداً خطيراً في الحرب الإعلامية والتسريبات السياسية، حيث أصبحت المقالات والتقارير أدوات حادة لإرسال رسائل غير مباشرة بين القوى الإقليمية، وسط توترات الملف الإيراني وصراع إعادة رسم توازنات المنطقة.
