الوساطة الباكستانية وصعود الجماعات الشيعية في الداخل الباكستاني

إعدداد: وحدة الشؤون الداخلية بمركز إندس للدراسات الباكستانية-

في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، برزت باكستان كفاعل دبلوماسي بارز من خلال دورها الوسيط في النزاع بين طهران وواشنطن، وهو ما أثار تساؤلات عميقة حول انعكاسات هذا الدور على التوازنات الداخلية الباكستانية، لا سيما فيما يتعلق بالطائفة الشيعية وصورة إسلام آباد الإقليمية.
في بداية التصعيد، كانت باكستان تُصنّف تقليديًا كحليف وثيق لدول الخليج العربي، استنادًا إلى علاقات تاريخية راسخة واتفاقيات دفاعية ممتدة. وقد عززت الاعتداءات الإيرانية على أهداف خليجية هذا التصور، الذي يرى في إسلام آباد طرفًا أقرب إلى المعسكر الخليجي في أي مواجهة محتملة. غير أن انخراطها في مسار الوساطة أعاد صياغة هذا الانطباع، مقدّمًا باكستان كدولة تتبنى نهج الحياد وتسعى إلى احتواء التوتر، بما قلل من احتمالات تفسير موقفها كاصطفاف عسكري مباشر.

سيناريو افتراضي: لو اختارت باكستان الاصطفاف الدفاعي

في حال تبنّت باكستان خيار الاصطفاف الدفاعي إلى جانب دول الخليج، استنادًا إلى التزاماتها الثنائية، كان من المرجّح أن يشهد المشهد الداخلي تحولات لافتة. وفي هذا السياق، يُتوقع أن تواجه الطائفة الشيعية، التي تمثل نسبة معتبرة من السكان الباكستانيين ضغوطًا أمنية متزايدة، قد تشمل إجراءات رقابية مشددة ومساءلات رسمية. كما لا يُستبعد في هذا السيناريو أن تتجه السلطات إلى تصنيف بعض المنظمات والجمعيات الشيعية ككيانات تمثل تهديدًا أمنيًا أومنظات إرهابية، بما يترتب عليه تقييد أنشطتها وفرض رقابة أكبر على تحركاتها.

الواقع الحالي: إحياء النشاط الشيعي

على أرض الواقع، اتخذت التطورات مسارًا مختلفًا. فقد أسهم الدور الوسيط الذي اضطلعت به باكستان في إضفاء حيوية جديدة على نشاط الطائفة الشيعية ومنظماتها داخل البلاد. ورغم تورط بعض المنظمات الشيعية الباكستانية في أعمال شغب ومظاهرات عقب مقتل علي خامنئي، برزت مؤشرات على استمرار هذه الكيانات في نشاطها وخطابها، بما في ذلك مواقف حادة تجاه دول الخليج واتهامات مباشرة للحكومة بالتواطيءمع إسرائيل. وفي هذا السياق، يُلاحظ أن السلطات لم تُقدم على تصنيف تلك المنظمات، لا سيما التي ارتبطت بأحداث عنف في شمال باكستان، ككيانات إرهابية، وهو ما يُفسَّر في إطار سعي إسلام آباد إلى تجنب تصعيد داخلي أو توتر سياسي في علاقاتها مع طهران.
كما أن انخراط باكستان في الوساطة أسهم في إعادة تشكيل التصورات العامة تجاه موقفها، حيث لم يعد يُنظر إليها كطرف معادٍ لإيران، بل كوسيط يسعى إلى التوفيق بين الأطراف. ونتيجة لذلك، شهدت الحركات الجعفرية والجمعيات الشيعية في باكستان نشاطًا متزايدًا على المستويين الاجتماعي والإعلامي، من خلال تنظيم فعاليات وإصدار بيانات تعكس حضورًا أوسع في المجال العام. ويعكس هذا التطور تعقيد السياسة الخارجية الباكستانية، التي تحاول الموازنة بين التزاماتها التقليدية مع دول الخليج، والحفاظ على علاقات متوازنة مع طهران في ظل حساسية التوازنات الطائفية.

محسن نقوي وقناة الاتصال السرية بين إسلام آباد وطهران

لم يأتِ قبول كل من الولايات المتحدة وإيران لــباكستان كوسيط موثوق به من فراغ، إذ تتمتع إسلام آباد بعلاقات متوازنة وقوية مع كل من طهران وواشنطن في آن واحد.

وترتكز العلاقات الباكستانية-الأمريكية بصورة أساسية على الجانب العسكري، حيث يحظى قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، بعلاقات وثيقة وشخصية مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. وفي المقابل، تستند العلاقات الثنائية بين باكستان وإيران إلى خلفية دينية مشتركة، بحكم طبيعة النظام الإيراني ذي التوجه الديني.
ويُعدّ محسن نقوي، وزير الداخلية الباكستاني الحالي، من أبرز الشخصيات الوزارية التي لعبت دورًا في تعزيز العلاقات الثنائية بين إسلام آباد وطهران. وينتمي نقوي إلى أسرة باكستانية تتمتع بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني.
وخلال الفترة الأخيرة، برز اسم محسن نقوي كلاعب أساسي في المفاوضات التي جرت في إسلام آباد بين الجانبين الإيراني والأمريكي. كما رافق المشير عاصم منير خلال زيارته الأخيرة إلى طهران، في إطار الجهود الرامية إلى إقناع بعض عناصر الحرس الثوري الإيراني بإبداء قدر أكبر من المرونة في المفاوضات مع الجانب الأمريكي.
ويجمع نقوي، وهو شيعي المذهب ومقرب فكريًا وعقائديًا من النظام الإيراني، علاقات أسرية وثيقة مع المشير عاصم منير، الأمر الذي عزز حضوره في الجولات الرسمية إلى طهران ودول الخليج، إلى جانب مشاركته في اللقاءات التي جمعت الوفود الأمريكية والإيرانية، رغم أن حقيبة وزارة الداخلية لا تُعد من الجهات المعنية مباشرة بملفات التفاوض النووي أو العلاقات مع واشنطن وطهران.
وكان من المتوقع أن يبرز في هذا الدور خواجة محمد آصف، وزير الدفاع الباكستاني، إلا أن القرب الفكري والعقائدي لمحسن نقوي من طهران جعله الشخصية الأبرز في قنوات التواصل مع الجانب الإيراني.
وقد فتح هذا الدور المتنامي لمحسن نقوي المجال أمام الجماعات الشيعية الباكستانية للظهور بصورة أكثر علنية، وتعزيز أنشطتها الداعمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية داخل باكستان. رغم أن محسن نقوي حاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع الخليج وإيران.

دلالات استراتيجية

على المستوى الاستراتيجي، ساهمت الوساطة الباكستانية في تعزيز الحضور الرمزي لإيران داخل بعض الأوساط الشيعية في باكستان، في وقت حافظت فيه إسلام آباد على قنوات تواصل مفتوحة مع الدول الخليجية. غير أن هذا التوازن الدقيق ينطوي على تحديات طويلة الأمد، إذ قد يُفسَّر من قبل بعض الأطراف على أنه تراجع عن التزامات تقليدية، أو كعامل يتيح توسيع نفوذ طهران على حساب الاستقرار الداخلي.

في ضوء هذه المعطيات، يظل التساؤل قائمًا حول قدرة باكستان على الاستمرار في إدارة هذا التوازن الحساس، في ظل ضغوط إقليمية متزايدة. وتبقى الإجابة مرهونة بمدى نجاح الدبلوماسية الباكستانية في التوفيق بين مصالحها المتعارضة، دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »