اقتصاد باكستان بين فخ الديون وفرص الإصلاح

مركز إندس للدراسات الباكستانية-

بالتزامن مع إعلان المملكة العربية السعودية عن تقديم وديعة مالية جديدة لباكستان وتمديد الوديعة السابقة، برز تباين ملحوظ في تقييم هذه الخطوة. ففي حين ينظر إليها البعض بوصفها انعكاسًا لنجاح دبلوماسي، يعكس متانة العلاقات الثنائية وقدرة إسلام آباد على تأمين الدعم الدولي، يرى فيها آخرون دلالة على فشل الحكومة الباكستانية في إدارة الملف الاقتصادي، وما يرافق ذلك من اعتماد متزايد على التمويل الخارجي.

ولا يختلف المراقبون على أن هذا الدعم يؤكد عمق العلاقات السعودية–الباكستانية، ويبرز الدور الذي تضطلع به الرياض في مساندة الاقتصاد الباكستاني خلال الفترات الحرجة. غير أن الجدل الداخلي يتواصل حول دلالات هذه القروض، حيث يُطرح تساؤل محوري بشأن ما إذا كان الحصول على تمويل من دول صديقة أو مؤسسات دولية يُعد إنجازًا يعكس ثقة خارجية، أم يعكس في المقابل فشلا حكوميا في تحسين اقتصادها؟ وهل هذا يعني أن باكستان تأخذ الديون لتسديد الديون؟ الوديعة السعودية الجديدة ستذهب لتسديد الوديعة الإماراتية كما يؤكد المسؤولون والخبراء.

الإجابة باختصار : فكرة أن كل القروض تعني فشلاً اقتصادياً، أو كل القروض تعني إنجازاً دبلوماسياً، تمثل تبسيطاً مخلاً لطبيعة الاقتصاد الكلي، خاصة في دولة نامية مثل باكستان. الدين العام ليس ظاهرة استثنائية، بل أداة تمويلية تعتمد عليها معظم الاقتصادات النامية. الفارق الجوهري يكمن في جودة استخدام هذا الدين وقدرة الاقتصاد على توليد نمو مستدام، يفوق تكلفة الاقتراض، مع الحفاظ على الاستدامة المالية طويلة الأجل.

أولاً: وجهات القروض وآليات استخدامها:

تحصل باكستان على تمويل خارجي من مؤسسات دولية وإقليمية رئيسية أبرزها صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، والبنك الآسيوي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، إضافة إلى دعم ثنائي من الصين والسعودية والإمارات وقطر.

الاستخدامات الفعلية للقروض:

تتركز في أربعة مسارات رئيسية:

○ إعادة تمويل الديون القائمة، إعادة تدوير الدين حيث يخصص جزء كبير لسداد التزامات سابقة بدلاً من خفض صافي الدين.

○ دعم الاحتياطيات الأجنبية للحفاظ على استقرار الروبية وتمويل الواردات الأساسية طاقة وغذاء.

○ سد عجز الموازنة العامة الناتج عن فجوة مستمرة بين الإيرادات الضريبية والإنفاق الحكومي.

○ تمويل مشاريع البنية التحتية بما في ذلك المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

ورغم أهمية هذه الاستخدامات، يظل الجزء الموجه نحو أنشطة إنتاجية ذات أثر مضاعف طويل الأمد محدوداً نسبياً.

ثانياً: مؤشرات الدين والاقتصاد الكلي:

يبلغ الدين العام الباكستاني حوالي 80.52 تريليون روبية بنهاية السنة المالية 2025، أي ما يعادل نحو %70.7 إلى %71.7 من الناتج المحلي الإجمالي، حسب التعريفات المختلفة، وهو مستوى مرتفع يتجاوز الحد القانوني %60، ومن المتوقع أن يصل إلى حوالي %77 بحلول نهاية 2026. تستهلك خدمة الدين الفوائد بشكل أساسي نسبة كبيرة من الموازنة الفيدرالية للسنة المالية 2025 و 2026، حيث بلغت التقديرات إلى 8.207 تريليون روببة أي نحو %47 من إجمالي الإنفاق من ميزانية إجمالية قدرها 17.573 تريليون روبية، وهذا يقلص الحيز المالي المتاح للاستثمار العام والتنمية بشكل ملحوظ.

شهد التضخم انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، حيث بلغ %7.3 في مارس 2026، بعد أن كان يتراوح بين %20 إلى %30 سابقاً، مع توقعات متوسط سنوي حول %7 إلى %8 للسنة المالية 2026، رغم بعض الضغوط الصعودية من أسعار الطاقة. أما الاحتياطيات الأجنبية، فبلغت احتياطيات البنك المركزي الباكستاني حوالي 16.4 مليار دولار في أبريل 2026، مع إجمالي الاحتياطيات السائلة قرابة 21 مليار دولار، وتغطي هذه الاحتياطيات نحو 2.9 إلى 3 أشهر من المدفوعات الخارجية، مما يعكس تحسناً نسبياً، لكنه يظل هشاً أمام جدول سداد الديون الخارجية، خاصة في أبريل 2026 الذي يشهد التزامات كبيرة.

يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة %3.6 في السنة المالية 2026 حسب صندوق النقد الدولي، وهو أعلى من السنوات السابقة، لكنه أقل من الإمكانيات السكانية والحكومي المستهدف %4.2، ولا تزال مؤشرات الإنتاجية والتنافسية والصادرات دون المستوى المأمول.

ثالثاً: العوامل البنيوية وراء أزمة الديون:

يستمر الاعتماد على الديون نتيجة تفاعل عوامل هيكلية عميقة:

○ ضعف القاعدة الضريبية حيث بلغت نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي %10.3 في السنة المالية 2025.

○ صعوبة تحقيق هدف %11 في 2025 و 2026 رغم الإصلاحات الرقمية.

○ اختلال الهيكل الخارجي مع اعتماد مرتفع على الواردات مقابل قاعدة تصديرية محدودة القيمة المضافة.

○ التقلبات السياسية وعدم الاستقرار المؤسسي مما يؤثر على استمرارية السياسات الاقتصادية.

○ خسائر القطاع العام خاصة في قطاع الطاقة والمؤسسات الحكومية.

○ تحديات في تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، حيث غالباً ما تكون الاستجابة جزئية أو متأخرة.

رابعاً: القروض بين الأداة التنموية ومؤشر الضعف:

تمثل القروض الخارجية أداة ضرورية للاستقرار قصير الأجل وتجنب أزمات السيولة، وتمويل بنية تحتية لا تستطيع الموارد المحلية تغطيتها وحدها، ومع ذلك فإن الاعتماد المستمر عليها لتغطية النفقات الجارية، وإعادة تدوير الدين، يعكس محدودية القدرة الذاتية على توليد نمو مستدام. في حالة باكستان تميل الصورة العامة إلى كون القروض أداة استقرار قصير الأجل أكثر من كونها محركاً لتحول هيكلي عميق، رغم تحسن بعض المؤشرات، مثل انخفاض التضخم وارتفاع الاحتياطيات نسبياً.

خامساً: السيناريوهات المستقبلية المحتملة:

في حال استمرار النهج الحالي دون إصلاحات جوهرية:

○ تزايد عبء خدمة الدين مما يحد من الاستثمار في التنمية.

○ ضغط مستمر على العملة ومخاطر ارتفاع التضخم خاصة مع تقلبات أسعار الطاقة.

○ تعميق الاعتماد على التمويل الخارجي مع هشاشة الاستقلال المالي.

○ احتمالية أزمات سيولة متكررة خاصة مع جدول سداد الديون الخارجية الكثيف في 2026.

○ تداعيات اجتماعية من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

أما في حال تنفيذ إصلاحات جذرية، و توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز الصادرات وإصلاح قطاع الطاقة، وتحسين مناخ الاستثمار، فإن الدين يمكن أن يتحول تدريجياً إلى رافعة تنموية ،خاصة مع تقدم المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة حقيقية.

خاتمة

لا يعاني اقتصاد باكستان من انهيار شامل، لكنه يواجه معضلة هيكلية، تتمثل في حلقة مستمرة من الاعتماد على الديون، مقابل نمو اقتصادي غير كاف لكسر المسار الكلي، والإشكالية الجوهرية ليست في وجود الدين بحد ذاته، بل في القدرة على تحويله إلى استثمار إنتاجي مستدام، يعزز الإيرادات الذاتية ويقلل الاعتماد الخارجي. مع استمرار الاستقرار النسبي في التضخم والاحتياطيات وتحسن بعض المؤشرات عالية التردد تظل الفرصة متاحة للانتقال، من إدارة الأزمات إلى بناء نمو مستدام، إلا أن ذلك يتطلب إرادة سياسية قوية، وتنفيذاً حازماً للإصلاحات الهيكلية. وفي غياب هذا التحول يبقى الدين أداة لإدارة الأزمات، أكثر من كونه رافعة تنموية طويلة الأمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »