من وسيط دولي إلى أزمة داخلية: باكستان بين النجاح الخارجي والهشاشة الداخلية

إعداد: وحدة الدراسات الاقتصادية – مركز إندس للدراسات الباكستانية-
17 مايو 2026-

التناقض الاستراتيجي

شهدت باكستان خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حضورها الدبلوماسي على الساحة الدولية، لا سيما عقب دورها المحوري كوسيط رئيسي في النزاع الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي. وقد حظيت القيادة الباكستانية بإشادة مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي وصف رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش المشير عاصم منير بأنهما “رائعان”، مؤكداً دعم واشنطن لإسلام آباد في دورها كوسيط إقليمي وحيد وموثوق.
وفي هذا السياق، استضافت العاصمة الباكستانية مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال أبريل 2026، ساهمت في التوصل إلى وقف إطلاق نار هش، ما عزز صورة باكستان كقوة دبلوماسية صاعدة وفاعل إقليمي يمتلك قدرة على التأثير في ملفات معقدة وحساسة.
غير أن هذا الصعود الخارجي لم ينعكس على الواقع الداخلي. يرى الخبراء أن واشنطن وطهران والدول المتضررة من الحرب الإيرانية الإسرائيلية استفادت من الوساطة الباكستانية الى حد كبير؛ ولكن التساؤل الجوهري يكمن في ماذا استفاد المواطن الباكستاني من هذه الوساطة؟
فبينما حققت إسلام آباد اختراقات سياسية ودبلوماسية على المستوى الدولي، كانت الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية تتفاقم داخلياً بوتيرة متسارعة، وسط ارتفاع حاد في معدلات التضخم والغلاء، وضغوط متزايدة على الموازنة العامة، وتراجع القوة الشرائية، فضلاً عن تنامي التوترات الأمنية داخل البلاد، وخلافات سياسية حادة بين الائتلاف الحاكم. وفي هذا التقرير سنتاول انعكاسات الوساطة الباكستانية على الوضع الداخلي الباكستاني.

أولاً: الاقتصاد الباكستاني بين كلفة الوساطة وتفاقم الأزمات

  1. الغلاء وارتفاع أسعار الوقود

أدت تداعيات الأزمة الإقليمية إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بصورة حادة، وخاصة بعد اغلاق مضيق هرمز من طرف إيران ومحاصرته من طرف واشنطن، ما تسبب في تضخم فاتورة واردات باكستان النفطية من نحو 300 مليون دولار شهرياً إلى ما يقارب 800 مليون دولار. وانعكس ذلك مباشرة على أسعار البنزين والديزل التي سجلت مستويات قياسية غير مسبوقة.
كما ارتفع معدل التضخم إلى أكثر من 10.89% خلال أبريل 2025، مع توقعات ببلوغه ما بين 11% و11.5% خلال مايو، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك النقل والزراعة والصناعات الغذائية والكهرباء.
وفي محاولة للحد من الأزمة، أعلن رئيس الوزراء شهباز شريف حزمة إجراءات تقشفية ( إغلاق المحال التجارية مع أذان المغرب، تقليص المزايا والعلاوات للموظفين الرسميين، تقليص مدة ساعات الدوام من ٨ ساعات إلى ٤ ساعات، واعتماد أربعة أيام لدوام العمل الأسبوعي بدل خمسة أيام، والزام كافة الدوائر الحكومية والأهلية بخفض نسبة الموظفين للحضور إلى ٦٠% و٤٠% عن بعد)، اعتبرها خبراء أنها إجراءات تزيد الأزمة لدى المواطن الفقير وليس حلول مستدامة، وقد شملت هذه الإجراءات التقشفية خفضاً يقارب 20% في الميزانية التنموية، ما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي إلى مستويات أقل من الهدف الحكومي المحدد عند 4.2%. فيما أعلنت وزارة البترول عن زيادة في الضرائب على البنزين مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين بنسبة تجاوزت 200%۔ حيث كانت أسعار البنزين قبل الأزمة 155 روبية باكستانية، وفور إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز ارتفعت أسعار البنزين إلى 416 روبية.

  1. تراجع الصادرات وتأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج

ساهم ارتفاع أسعار الوقود في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي أضعف القدرة التنافسية للصادرات الباكستانية في الأسواق الدولية. وتشير تقارير اقتصادية إلى تسجيل انخفاضات ملحوظة في بعض القطاعات التصديرية، حتى وإن كانت بعض التقديرات المتعلقة بتراجع الصادرات بنسبة 40% تقتصر على قطاعات بعينها.

وبصورة عامة، تواجه الصادرات الباكستانية ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع التكاليف والاضطرابات الإقليمية، ما يفاقم عجز الاقتصاد عن تحقيق استقرار مستدام.

  1. البطالة وتآكل القوة الشرائية

تسببت موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة في زيادة معدلات البطالة، نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات واتساع دائرة الفقر. وتشير التقديرات إلى أن عشرات الملايين من الباكستانيين يعانون من تراجع حاد في القوة الشرائية، فيما أظهرت بعض التقارير أن نحو 40% من الشباب يرغبون في الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
وقد تأثرت بصورة خاصة الفئات العاملة في قطاعات النقل والصناعات التحويلية، التي تواجه ضغوطاً متصاعدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف الطلب المحلي.

  1. الوساطة السياسية دون عائد اقتصادي

على الرغم من الإشادات الدولية بالدور الباكستاني، فإن الوساطة بين واشنطن وطهران لم تحقق حتى الآن مكاسب اقتصادية ملموسة لإسلام آباد، سواء من الولايات المتحدة أو إيران.
بل على العكس، تكبدت الحكومة خسائر مالية قُدرت بمئات الملايين من الدولارات نتيجة الترتيبات الأمنية واللوجستية المرتبطة باستضافة المفاوضات، بما في ذلك الإغلاقات الأمنية المشددة التي شهدتها العاصمة إسلام آباد لأسابيع، والتي وصلت في بعض التقديرات إلى إغلاق شبه كامل لأكثر من شهر.
ورغم هذا الدور الدبلوماسي الحساس، لم تحصل باكستان حتى الآن على دعم اقتصادي أمريكي أو إيراني يعوض تلك التكاليف أو يساهم في تخفيف أزمتها المالية المتفاقمة.

  1. سداد الوديعة الإماراتية وتعميق الاعتماد على الخليج

في أبريل 2026، سددت باكستان كامل الوديعة المستحقة لصندوق أبوظبي للتنمية والبالغة 3.45 مليار دولار، بما في ذلك القسط الأخير البالغ مليار دولار في 23 أبريل، ما شكل ضغطاً كبيراً على احتياطيات النقد الأجنبي. ويرى مراقبون أن باكستان اضطرت لتسديد هذه الوديعة الإماراتية بسبب وساطتها بين إيران والولايات المتحدة.
ولتغطية هذا الاستنزاف، حصلت إسلام آباد على 3 مليارات دولار إضافية من المملكة العربية السعودية عبر دفعات متتالية، الأمر الذي عمّق اعتماد الاقتصاد الباكستاني على الدعم الخليجي، ورفع من حجم الالتزامات المالية المستقبلية.
وكانت احتياطيات النقد الأجنبي تُقدّر بنحو 16.4 مليار دولار قبل عملية السداد، ما يعكس هشاشة الوضع المالي وعدم قدرة الاقتصاد حتى الآن على تحويل الإنجازات الدبلوماسية إلى استقلال اقتصادي فعلي.

ثانياً: التوترات السياسية وتحديات الائتلاف الحاكم

يواجه حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (PML-N) بقيادة شهباز شريف تحديات سياسية متزايدة، في ظل تنامي الغضب الشعبي الناتج عن ارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع الأوضاع المعيشية.
وتتهم قوى سياسية عديدة الحكومة بالتركيز على ملفات السياسة الخارجية والدبلوماسية الدولية على حساب القضايا الداخلية الملحة، وهو ما قد ينعكس سلباً على فرص الحزب في أي انتخابات مقبلة.
وفي السياق ذاته، تتصاعد الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، خصوصاً بين حزب الرابطة الإسلامية وحليفه حزب الشعب الباكستاني (PPP) بقيادة آصف علي زرداري. وقد وجه حزب الشعب انتقادات متكررة لسياسات الحكومة، متهماً إياها بتهميش الحلفاء وتحميل المواطنين أعباء الأزمة الاقتصادية.
كما شهدت العلاقة بين الطرفين توترات متزايدة بشأن التعديلات الدستورية، ومنها التعديل الثامن والعشرون، إضافة إلى الخلافات المرتبطة بالموازنة العامة، وسط تحذيرات من احتمال انسحاب حزب الشعب أو رفضه دعم بعض التشريعات الحكومية.
ويرى مراقبون أن استمرار التدهور الاقتصادي قد يدفع هذا التحالف الهش إلى الانهيار قبل الانتخابات المقبلة، خصوصاً مع تصاعد ضغوط المعارضة، وفي مقدمتها حزب “تحريك الإنصاف” (PTI)، إلى جانب تزايد احتمالات الاحتجاجات الشعبية بسبب الغلاء.

ثالثاً: الفشل الأمني الداخلي في ظل الطموح الدبلوماسي

في مقابل محاولات باكستان لعب دور “الوسيط الأمني” على المستوى الدولي، شهد الداخل الباكستاني تصاعداً مقلقاً في الهجمات الانتحارية والتفجيرات المسلحة، خاصة في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان، ما كشف عن فجوة واضحة بين الحضور الخارجي والاستقرار الداخلي.

ويُنظر إلى تركيز الأجهزة الأمنية على تأمين المفاوضات الدولية في إسلام آباد، وما رافقه من إغلاقات مشددة استمرت أسابيع، باعتباره أحد أسباب تراجع السيطرة الأمنية في الأطراف والمناطق الحدودية.

ففي مايو 2026، تعرضت نقطة أمنية في مدينة بنو بإقليم خيبر بختونخوا لهجوم انتحاري بسيارة مفخخة أسفر عن مقتل ما بين 14 و21 شرطياً، وتبناه فصيل منشق عن حركة طالبان باكستان (TTP).
كما شهد الإقليم سلسلة من التفجيرات الانتحارية خلال الأشهر الأولى من عام 2026، مع ارتفاع الوفيات المرتبطة بالنزاع بنسبة تقارب 30%.
أما في بلوشستان، فقد نفذ “جيش تحرير بلوشستان” (BLA) سلسلة هجمات منسقة خلال يناير وفبراير 2026 ضمن عملية حملت اسم “Herof”، استهدفت مدارس ومستشفيات وبنوكاً ومنشآت أمنية عبر تفجيرات انتحارية وهجمات مسلحة، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين والعسكريين.
كما سجلت الجماعات المسلحة تطوراً لافتاً في تكتيكاتها، من خلال استخدام انتحاريات نساء، وتنفيذ هجمات ضد قوافل عسكرية ومناجم ومرافق حيوية.
وقد ساهمت هذه الهجمات، التي بلغت عشرات العمليات الانتحارية خلال عامي 2025 و2026، في ارتفاع أعداد ضحايا الإرهاب، لتصبح باكستان من بين أكثر الدول تضرراً بالإرهاب وفق بعض التصنيفات الدولية.
وتشير تقديرات أمنية إلى وجود تنسيق متزايد بين جماعات طالبان باكستان والانفصاليين البلوش، وسط اتهامات بتلقي بعض هذه الجماعات دعماً خارجياً أو الاستفادة من هشاشة الرقابة الحدودية مع أفغانستان.

ويبرز هنا تناقض واضح؛ ففي الوقت الذي تُغلق فيه العاصمة لأسابيع لحماية مفاوضات دولية، تعجز الأجهزة الأمنية عن منع هجمات متكررة ضد قواتها في الأقاليم المضطربة، ما يضعف صورة باكستان كوسيط أمني موثوق، ويستنزف مواردها المالية والعسكرية في آن واحد.

الخاتمة: معضلة النفوذ الخارجي والضعف الداخلي

نجحت باكستان خلال عام 2026 في تعزيز حضورها الدبلوماسي وإبراز نفسها كوسيط إقليمي فاعل بين واشنطن وطهران، إلا أن هذا النجاح الخارجي ترافق مع تعمق الأزمات الداخلية الاقتصادية والسياسية والأمنية.

فالاقتصاد الباكستاني يواجه تضخماً مرتفعاً، وفاتورة نفطية متضخمة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وارتفاعاً في معدلات البطالة، إلى جانب اعتماد متزايد على الدعم المالي الخارجي، لا سيما من السعودية.

وفي الوقت نفسه، يهدد التوتر داخل الائتلاف الحاكم استقرار الحكومة ومستقبلها السياسي، بينما تتصاعد التحديات الأمنية بصورة تنعكس سلباً على صورة الدولة ومصداقيتها.

ومن أجل تحويل نجاحها الدبلوماسي إلى مكاسب داخلية حقيقية، تبدو إسلام آباد بحاجة ملحة إلى:

  • تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية، خاصة في مجالات الطاقة وزيادة الصادرات.
  • تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
  • إعادة التوازن بين الأولويات الداخلية والطموحات الخارجية.
  • تعزيز تماسك الائتلاف الحاكم.
  • معالجة التدهور الأمني ومنع استنزاف الموارد في ملفات خارجية على حساب الاستقرار الداخلي.

وبدون ذلك، سيظل التناقض بين “الصعود الدولي” و”الهشاشة الداخلية” السمة الأبرز لباكستان خلال المرحلة المقبلة، في مشهد يعكس صعوبة الموازنة بين الطموحات الجيوسياسية ومتطلبات الاستقرار الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »