لماذا تتجنب إيران التصعيد ضد باكستان؟

إعداد: وحدة الشؤون الدولية بمركز إندس للدراسات الباكستانية- إسلام أباد-
تتمتع باكستان بعلاقات تاريخية ودبلوماسية راسخة مع إيران، تمتد جذورها إلى ما قبل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد كانت إيران، قبل التغيير السياسي، من أقرب الدول الإسلامية إلى باكستان، كما كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلالها في عهد الشاه.
قبل الثورة الإيرانية 1979 التي قادها روح الله الخميني، كانت العلاقات الثقافية والاجتماعية بين إيران وكل من باكستان وأفغانستان حاضرة بقوة، وتعكس حالة من التقارب الحضاري والتفاعل الإقليمي. غير أن هذه الثورة أحدثت تحولًا جذريًا في توجهات السياسة الخارجية الإيرانية، ما أدى إلى ظهور بعض التوتر في العلاقات الثنائية بين طهران وإسلام آباد.
ورغم الخلافات العقدية والأيديولوجية بين البلدين على المستوى الرسمي، فإن كليهما حرص عبر العقود على الحفاظ على علاقات متوازنة وودية، حتى في ظل الأزمات والحروب التي شهدتها المنطقة والعالم.
مرونة باكستانية واستيعاب إيراني
يتجلى هذا التوازن بشكل واضح في سياق التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث انتهجت إسلام آباد سياسة خارجية مرنة، حافظت من خلالها على علاقات مع كل من واشنطن وطهران في آن واحد.
ورغم التقارب الملحوظ بين باكستان والولايات المتحدة، لم تُبدِ طهران انزعاجًا يُذكر من هذا المسار، على الرغم من أنه لا يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يطرح تساؤلات مهمة حول أسباب هذا الموقف الإيراني اللافت.
تقاطعات مع الخليج ومواقف محسوبة
في سياق متصل، وقّعت باكستان اتفاقية استراتيجية دفاعية مشتركة مع المملكة العربية السعودية، وهي خطوة كان من المتوقع أن تثير تحفظًا إيرانيًا، إلا أن طهران رحّبت بها وأبدت ارتياحًا ملحوظًا، رغم إدراكها لاحتمالية استخدام هذه الاتفاقية في سياقات لا تخدم مصالحها.
وفي تطور لافت، استهدفت إيران بعض الدول الخليجية في سياق مواجهتها مع إسرائيل، مبررة ذلك بوجود قواعد أمريكية على أراضي تلك الدول. في المقابل، أدانت باكستان هذه الهجمات بشدة، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ لسيادة الدول.
كما تداولت بعض المصادر الدبلوماسية والعسكرية معلومات حول اجتماعات تنسيقية بين مسؤولين باكستانيين وسعوديين لبحث خيار الرد العسكري ضد طهران، وهو خيار—إن تحقق—لم يكن ليتم دون مشاركة باكستانية. ورغم إدراك إيران لذلك، فإنها لم تُقدم على استهداف إسلام آباد، لا عسكريًا ولا حتى عبر تصعيد سياسي أو إعلامي.
لماذا تتجنب إيران التصعيد مع باكستان؟
يثير هذا السلوك الإيراني تساؤلات جوهرية، خاصة أن طهران لم تتردد في استهداف أطراف أخرى في سياقات مشابهة. ويمكن تفسير هذا النهج الإيراني بعدة اعتبارات استراتيجية:
1️⃣ الردع النووي
تُدرك إيران أن باكستان دولة نووية تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، وأن الدخول في مواجهة معها ينطوي على مخاطر جسيمة، وقد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
2️⃣ الثقل في العالم الإسلامي
تتمتع باكستان بمكانة سياسية وعسكرية مؤثرة في العالم الإسلامي، واستعداؤها قد يؤدي إلى خسارة إيران لدعم أو حياد عدد من الدول الإسلامية.
3️⃣ العلاقة مع الصين
ترتبط باكستان بعلاقات استراتيجية عميقة مع China، ما يعني أن أي تصعيد مع إسلام آباد قد يدفع بكين إلى اتخاذ موقف داعم لباكستان، وهو ما لا يصب في مصلحة طهران.
4️⃣ الجغرافيا والحدود المشتركة
يمتد بين البلدين شريط حدودي طويل، ما يجعل أي توتر قابلًا للتحول إلى صراع مباشر، وفتح جبهة جديدة لا ترغب إيران في خوضها في الوقت الراهن.
5️⃣ الاعتبارات الداخلية والمذهبية
تأخذ طهران بعين الاعتبار الطبيعة الديموغرافية لباكستان كدولة ذات أغلبية سنية، إضافة إلى وجود تيارات داخلية معارضة للسياسات الإيرانية، ما قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية خطيرة في حال التصعيد.
6️⃣ المصالح الاقتصادية
ترتبط إيران وباكستان بعلاقات اقتصادية، وأي توتر سياسي قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية إضافية لإيران، التي تواجه بالفعل تحديات اقتصادية معقدة.
خلاصة تحليلية
تعكس السياسة الإيرانية تجاه باكستان نهجًا براغماتيًا يقوم على تجنب التصعيد والحفاظ على التوازنات الإقليمية، رغم التباينات الأيديولوجية والتحالفات المتشابكة.
وفي ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تبدو العلاقة بين طهران وإسلام آباد نموذجًا لإدارة الخلافات عبر الاحتواء السياسي، حيث تفرض المصالح المشتركة والاعتبارات الجيوسياسية حدودًا واضحة لأي مواجهة محتملة.




