قبل 15 عامًا… في أيبوت آباد: المشهد الأخير من مطاردة بن لادن

في الساعات الأولى من فجر الثاني من مايو عام 2011 بتوقيت باكستان (بعد ظهر الأول من مايو بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة)، نفذت قوات عسكرية أمريكية عملية مداهمة استهدفت مجمعًا تابعًا لتنظيم القاعدة، وأسفرت عن مقتل أسامة بن لادن، أخطر مطلوب للولايات المتحدة. وجاء نجاح هذه المهمة تتويجًا لسنوات طويلة من العمليات الاستخباراتية المعقدة والدقيقة والمتقدمة، التي قادتها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بدعم من شركاء عبر مجتمع الاستخبارات الأمريكي.

وبينما كان بن لادن محور اهتمام أجهزة الاستخبارات منذ تسعينيات القرن الماضي، بدأت وكالة الاستخبارات المركزية، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، في جمع معلومات حول شخصيات رئيسية مرتبطة به أو تقدم له الدعم. وقد كشفت التقارير عن ناقل رئيسي عُرف باسمه الحركي (الكنية)، إلا أن ربط هذه الكنية بالاسم الحقيقي استغرق سنوات.

وبحلول أواخر عام 2010، ربطت معلومات استخباراتية إضافية هذا الناقل بمجمع سكني في مدينة أبوت آباد، الواقعة في إقليم خيبر بختونخوا في باكستان (المعروف سابقًا بالإقليم الحدودي الشمالي الغربي)، على بعد نحو 35 ميلًا شمال إسلام آباد. وقد تميز هذا المجمع وإقامته الرئيسية بإجراءات أمنية غير اعتيادية بالنسبة للمنطقة: جدران عالية تعلوها أسلاك شائكة، بوابات مزدوجة، نوافذ معتمة، وعدم وجود اتصال واضح بالإنترنت أو الهاتف، فضلًا عن حرق النفايات بدلًا من التخلص منها بطرق تقليدية. كما أن مالكي العقار المسجلين لم يكن لديهما مصدر دخل يبرر امتلاك مثل هذا السكن الكبير. وقد دفعت هذه المعطيات، إلى جانب معلومات أخرى، مجتمع الاستخبارات إلى ترجيح أن المجمع يُستخدم لإخفاء بن لادن، إضافة إلى الناقل.

بدأت تدريبات مكثفة للعملية، شملت بناء نموذج مطابق بالحجم الحقيقي للمجمع مع جدران داخلية قابلة للتعديل، بهدف إعداد فرق الاقتحام لمواجهة أي تخطيط داخلي محتمل.

وقد أُجيزت العملية من قبل الرئيس في 29 أبريل، ونُفذت كعملية جراحية دقيقة بواسطة فريق صغير من القوات الخاصة، بهدف تقليل الأضرار الجانبية إلى الحد الأدنى، وتجنب تعريض غير المقاتلين داخل المجمع أو المدنيين الباكستانيين في المنطقة لأي خطر، وزيادة فرص التأكد من هوية بن لادن.

وصلت المروحيات إلى مجمع أبوت آباد عند الساعة 00:30 بتوقيت باكستان في الثاني من مايو؛ وتحطمت إحداها، لكن العملية استمرت دون تأخير. وتم العثور على بن لادن وقتله خلال تسع دقائق فقط. وبعد العملية، جرى التأكد من هويته عبر عدة وسائل مستقلة.

الجدول الزمني للعملية
1 مايو – بتوقيت الساحل الشرقي (EDT)

1:25 مساءً — وافق الرئيس أوباما ومدير وكالة الاستخبارات المركزية بانيتا وقائد العمليات الخاصة المشتركة الأدميرال ماكرافن على تنفيذ العملية.

1:51 مساءً — انطلقت المروحيات من أفغانستان.

3:30 مساءً — هبطت مروحيتان في المجمع بأبوت آباد، شمال إسلام آباد. تحطمت إحداهما، لكن العملية استمرت دون إصابات.

3:32 مساءً — تلقى الرئيس أوباما، من غرفة العمليات، تقارير مباشرة ومحدثة من موقع الحدث.

3:39 مساءً — تم العثور على أسامة بن لادن في الطابق الثالث وقتله.

3:53 مساءً — تلقى الرئيس تأكيدًا أوليًا بشأن التعرف على هوية بن لادن.

3:55 مساءً — تم نقل جثة بن لادن إلى الطابق الأول ووضعها في كيس مخصص.

من 3:39 إلى 4:10 مساءً — قام فريق الاقتحام بجمع كمية كبيرة من المواد من داخل المجمع لأغراض التحليل الاستخباراتي.

4:05 مساءً — غادرت أول مروحية الموقع.

4:08 مساءً — قام الفريق بتدمير المروحية المتحطمة.

4:10 مساءً — أقلعت مروحية دعم لنقل بقية الفريق والمواد من أبوت آباد.

5:53 مساءً — عادت المروحيات إلى أفغانستان حيث استقبل الأدميرال ماكرافن الفريق.

7:01 مساءً — تلقى الرئيس تأكيدًا عالي الاحتمال بشأن هوية بن لادن.

11:35 مساءً — ألقى الرئيس أوباما خطابًا إلى الأمة من الغرفة الشرقية.

2 مايو – بتوقيت الساحل الشرقي (EDT)

12:59 صباحًا — دُفنت جثة بن لادن في البحر من على متن حاملة الطائرات “يو إس إس كارل فينسون” في شمال بحر العرب.

المواد التي تم العثور عليها
استغرقت الكمية الكبيرة من المواد التي جُمعت من المجمع وقتًا طويلًا لمراجعتها بشكل شامل. وقادت وكالة الاستخبارات المركزية فريق عمل متعدد الوكالات لتصنيف هذه المواد وتحليلها واستخلاص المعلومات المتعلقة بفروع تنظيم القاعدة وخططه ونواياه والتهديدات الحالية. وأظهرت المواد أن بن لادن ظل قائدًا نشطًا داخل التنظيم، يقدم توجيهات استراتيجية وعملياتية وتكتيكية، ولم يكن مجرد رمز كما كان يُعتقد.

وقد كشف مدير الاستخبارات الوطنية مؤخرًا عن دفعة ثانية من الوثائق التي تم الحصول عليها خلال العملية. وأظهرت هذه الوثائق أن بن لادن كان يخطط لمغادرة مجمع أبوت آباد.

في 14 يناير 2011، أي قبل ثلاثة أشهر ونصف من العملية، كتب بن لادن رسالة رسمية إلى الشقيقين اللذين كانا يخفيانه منذ ثماني سنوات، أحدهما الناقل الذي تم تحديده سابقًا. ويبدو أن ضغوط إخفائه وعائلته أدت إلى خلافات حادة بين الطرفين، حيث أعرب بن لادن في رسالته عن امتنانه العميق لهما، معترفًا بـ”الثقل الكبير” للمسؤولية التي تحملاها.

وفي رسائل أخرى إلى أقاربه وأصدقائه، أكد أن الشقيقين كانا “مرهقين” من هذا العبء. وفي 2 فبراير 2011، كتب إلى أحد المقربين أن الشقيقين “طلبا منذ فترة طويلة الانفصال”، وأنه وافق على تسليم مهمة إخفائه إلى آخرين، مع التخطيط للانتقال إلى موقع جديد في سبتمبر 2011.

وبالطبع، لم تكن هذه الخطط معروفة لوكالة الاستخبارات المركزية عند اكتشاف موقعه في أغسطس 2010، كما لم يكن الرئيس أوباما أو كبار صناع القرار على علم بها أثناء دراسة المعلومات قبل العملية. ولو تأخر تنفيذ القرار، لكان من الممكن أن تتخذ الأحداث مسارًا مختلفًا تمامًا.

وفاة بن لادن
شكّل مقتل أسامة بن لادن إنجازًا كبيرًا في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة لتفكيك تنظيم القاعدة والقضاء عليه. فقد كان مؤسس التنظيم وقائده الوحيد، والمسؤول إلى حد كبير عن نفوذه وقدرته على التمويل واستقطاب المجندين، وتركيزه على استهداف الولايات المتحدة.

وقد كانت العملية الجريئة التي أنهت حياته نتيجة عمل جماعي، يعكس مستوى عاليًا من التنسيق والتكامل داخل مجتمع الاستخبارات، والتعاون الوثيق مع الشركاء العسكريين. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية في قلب هذا الجهد، تقود جمع المعلومات وتحليلها بدقة، لتقديم الصورة الاستخباراتية التي قادت القوات الأمريكية إلى أبوت آباد.

المصدر: موقع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) –
الترجمة: فريق مركز إندس للدراسات الباكستانية–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »