مشاري العفاسي وعاصم منير.. نموذجان رائدان في مواجهة الإخوان
بقلم: عبدالغني أنجم (رئيس مركز إندس للدراسات الباكستانية)-
الإخوان المسلمون ليسوا مجرد جماعة دعوية عابرة للقارات، بل ظاهرة تاريخية عميقة الجذور في العالم الإسلامي. بدأت كمشروع فكري وإصلاحي يحمل شعار “الإسلام هو الحل”، ثم تطورت مع الزمن إلى تنظيم يجمع بين الدعوة والسياسة، وفي بعض مراحلها تحولت إلى أداة تخريبية تتحالف تكتيكياً مع خصوم استراتيجيين – وفي مقدمتهم المشروع الفارسي – مقابل مصالح تنظيمية ضيقة. كثير من المفكرين والزعماء المعتدلين حاولوا على مر العقود “معالجة” هذه الظاهرة، لكن المحاولات لم تنجح في استئصال جذورها تماماً. إلا أنها ساهمت في كشف أجندات هذا التنظيم: السيطرة على المجتمعات، استغلال القضايا الإنسانية، والانخراط في مشاريع سياسية تؤدي في كثير من الأحيان إلى الفوضى والتفتيت.
واليوم، بات واضحاً أن الجماعة تمارس لعبة مزدوجة: ترفع في العلن شعار الإصلاح والدعوة، وفي الخفاء تتحالف مع من يعادي أهل السنة والتوحيد في بعض السياقات الإقليمية. وفي هذا السياق، يبرز الشيخ مشاري راشد العفاسي كواحد من أبرز الأصوات المعاصرة الجريئة في العالم العربي التي وقفت في وجه هذه الظاهرة بلا مواربة. لم يكتفِ الشيخ مشاري بالنقد العام، بل كان من أبرز الأصوات التي فتحت الملف الأكثر إيلاماً: نهب تبرعات غزة. فضح سرقة مئات الملايين من الدولارات التي جُمعت باسم أهل غزة المستضعفين، وتحويلها إلى مصالح تنظيمية وشخصية في بعض الشبكات المرتبطة بالجماعة. وعندما تعرضت دول الخليج لاعتداءات إيرانية، انكشفت حقائق المنتمين لهذه الجماعة بشكل أكثر وضوحاً. كردة فعل وبدوافع وطنية ودينية، قام الشيخ العفاسي بنشر نشيد عربي جريء هاجم فيه إيران ومن يتحالف معها من العرب، مستوحى من سورة المسد بعبارات مثل “تبت يدين إيران واللي مع إيران.. نحن هل التوحيد”. لم يكن هذا الموقف مجرد إعلامي، بل ضربة مباشرة للجرح النازف في الوعي الإسلامي. عندما وضع الشيخ مشاري “الفلافل على جروح الإخوان”، لم يكن غريباً أن يواجه حملة حقد منظمة واتهامات باطلة. هذا الحقد ليس شخصياً، بل نابع من كشفه لجوانب الفساد الأخلاقي والمالي والعقدي في بعض ممارسات الجماعة. الإخوان يدركون جيداً أن صوت العفاسي الاستثنائي – الذي يمتلك قاعدة جماهيرية هائلة عبر العالم الإسلامي – أصبح أداة توعية فعالة للجيل الجديد. نجح الشيخ العفاسي في تسخير هذه القاعدة الشعبية ليحول الإنشاد من ترفيه روحي إلى سلاح وعي، يكشف الحقائق ويحمي الأمة من الخداع. هو ليس مجرد قارئ قرآن أو منشد بارع؛ بل ظاهرة صوتية وفكرية استثنائية. نجاحه في توعية الشباب حول حقيقة بعض أجندات الجماعة أغاض رموزها وخلاياها الإلكترونية. وكلما ارتفع صوته، ازدادت حملات التشويه ضده – لأنهم يعرفون أن “العفاسي يكشف الحقائق بالأدلة”.
وفي باكستان.. نموذج حازم آخر:
بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربات إسرائيلية-أمريكية مشتركة يوم 28 فبراير 2026، خرج الإخوان والشيعة إلى شوارع باكستان يحتجون ضد الحكومة الباكستانية. تخيّل التوافق الفكري بين رؤية الإخوان في الخليج وفي باكستان: خامنئي قُتل في هجوم إسرائيلي، لكن هؤلاء الشيعة والإخوان بدلاً من أن يحتجوا ضد إسرائيل مباشرة، وجّهوا غضبهم نحو الحكومات الإسلامية وحكام دولهم. وفي منطقة جلجت بلتستان شمال باكستان (وبالتحديد في مدينتي أنا)، قام محتجون شيعة بإحراق ممتلكات عامة، منها ثلاث مدارس عسكرية، مستشفيات، مكتب الأمم المتحدة (UNMOGIP)، مكاتب منظمات خيرية، وعربات عسكرية ومدنية. كما أدت الأحداث إلى سقوط قتلى، إضافة إلى قيامهم بإحراق جنديين باكستانيين حياً. هذه الأعمال التخريبية أثارت غضباً شديداً في الجيش الباكستاني. وفي الأسبوع التالي لهذه الأحداث، استدعى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير قادة الشيعة والإخوان إلى مقر الجيش. وقال لهم في لقاء إفطار براولبندي عبارات حازمة: “إذا أنتم تحبون إيران وتريدون أن تدافعوا عن إيران؛ ارحلوا عن باكستان وخذوا الجنسية الإيرانية وقاتلوا ضد إسرائيل. نحن لسنا إسرائيليين لكي تنتقموا منا على مقتل مرشدكم. لن أسمح لأي باكستاني أن يصبح إيرانياً”. وقرر الجيش إحالة المتورطين في الاحتجاجات العنيفة إلى المحاكم العسكرية، مع إجراء تحقيقات قاطعة.
الخلاصة الحاسمة:
الإخوان في الخليج يعانون من عقدة مشابهة: إسرائيل تقصف غزة فيشتمون قادة الخليج، وإسرائيل تقتل قادة إيرانيين فيهاجمون قادة الخليج – تماماً كما يفعل إخوان وشيعة باكستان. يجب التعامل مع هؤلاء وفق الرؤية الحازمة لقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير: لا مجال للولاء المزدوج، ولا مكان لمن يحول قضايا خارجية إلى تخريب داخلي. ومواجهة هذا المشروع التخريبي ليست مسألة شخصية أو إقليمية ضيقة، بل قضية وجودية للأمة. يجب أن تستمر الأصوات الجريئة مثل صوت الشيخ مشاري، مدعومة بالبحث والتوثيق والتوعية، حتى لا يبقى أي “سرطان فكري” ينتشر تحت غطاء الدين. الأمة بحاجة إلى وعي ناضج.. والوعي يبدأ بقول الحقيقة بلا مجاملة.
ونحن في مركز إندس للدراسات الباكستانية نعمل على مشروع توثيقي شامل لفساد هذه الجماعة وأجنداتها التخريبية، لتوعية الشعب الباكستاني حول خطورة هذا التنظيم وزيف بعض دعاويه. الوقت حان لتمييز الدعوة الصادقة عن الاستغلال السياسي، والولاء الوطني عن الانتماءات العابرة للحدود. الأمة لا تقبل بعد اليوم باللعبة المزدوجة.

