المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز: د. عبدالغني أنجم
سياسةعجائب وغرائبكلمة إندسمقالات

مهرجان ” الوساطات ” الدولي-مقال ساخر-

مركز إندس للدراسات الباكستانية-

في عالم يبدو أنه قرر إدارة أزماته عبر إطفاء حرائق الآخرين بدل إخماد نيرانه الداخلية، يبرز مشهد دبلوماسي لا يخلو من المفارقة والسخرية. أحدث فصول هذا المشهد يأتي من طهران، التي تخوض مواجهة مفتوحة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وسط تصعيد عسكري ينذر بانزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة، لتعلن—بهدوء لافت—استعدادها للعب دور الوسيط بين باكستان وأفغانستان.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لم يتردد في التأكيد على أن بلاده “جاهزة لتقديم أي مساعدة ضرورية لتعزيز الحوار والتفاهم بين البلدين”، وذلك في فبراير 2026، عقب تصعيد خطير شهد إعلان إسلام آباد ما يشبه “حربًا مفتوحة”، مع غارات جوية استهدفت كابل ومناطق أخرى، مخلفة خسائر بشرية كبيرة، وسط تقارير مثيرة للجدل حول استهداف منشآت مدنية.
وبينما تبدو الصورة معقدة، فإن المشهد العالمي الأوسع يكاد يتحول إلى ما يشبه “مهرجان وساطات دولي” بطابع ساخر:
باكستان، المنخرطة في توتر عسكري مع أفغانستان، تطرح نفسها وسيطًا محتملاً بين الخليج وإيران، بل وحتى بين واشنطن وطهران.
روسيا، الغارقة في حربها مع أوكرانيا، لا تزال تجد متسعًا من الوقت لاقتراح الوساطة بين واشنطن وطهران.
الولايات المتحدة، المنخرطة في تصعيد مباشر مع إيران، تعرض في الوقت ذاته التوسط بين باكستان والهند، بل وتمتد وساطاتها—نظريًا—إلى ملفات أكثر تعقيدًا كالأزمة الروسية الأوكرانية.
أما إيران، التي تواجه ضغوطًا متعددة الجبهات، فتدعو إلى الحوار بين إسلام آباد وكابل، مع لمسة دبلوماسية “روحانية” عبر التذكير بأن الحروب لا تليق بشهر رمضان.
وفي خضم هذا الزخم، تدخل الصين على الخط، عبر مبعوث خاص يتنقل بين العاصمتين لاحتواء التوتر، فيما تعرض كل من روسيا وتركيا خدمات وساطة مماثلة، وكأن العالم بأسره قرر فجأة أن يتحول إلى “نادي وسطاء دولي”.
المشهد لم يعد مجرد “وسيط مشغول”، بل أقرب إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ”الوساطة بالنار”، حيث يسعى كل طرف إلى حل نزاع الآخر، بينما لا تزال أزماته الخاصة مشتعلة أو على وشك الاشتعال.
ربما يسجل التاريخ عام 2026 بعنوان لافت: “عام الدبلوماسية المقلوبة… حين انشغل الجميع بإصلاح جيرانهم قبل ترتيب بيوتهم”.
أما السؤال الذي يبقى معلقًا بين الجدية والسخرية: هل نحن فعلًا أمام مرحلة يُبنى فيها السلام فوق ركام الأزمات؟ أم أن كل دولة وجدت في أزمات الآخرين فرصة لإعادة تعريف “الحياد الإيجابي”؟
وإن اجتمع كل هؤلاء الوسطاء في غرفة واحدة… فإما أن يخرج العالم بسلام شامل غير مسبوق، أو—كما يخشى البعض—بنسخة أكثر تعقيدًا من الفوضى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى