دراما “الكفيل”… كيف استعار الفن الباكستاني مفهوم الكفالة الخليجي؟
إعداد: قسم الثقافة والفنون بمركز إندس للدراسات الباكستانية-
تُثبت الدراما الباكستانية مرةً أخرى قدرتها على تجاوز حدود الترفيه التقليدي، لتتحول إلى مرآة اجتماعية تكشف التحولات النفسية والإنسانية داخل الأسرة والمجتمع. ومن بين أبرز هذه الأعمال تبرز دراما ” كفيل”، التي عُرضت على شاشة ARY الرقمية، واستطاعت أن تثير نقاشاً واسعاً بسبب جرأتها في تناول مفهوم “الرجولة” والمسؤولية الزوجية داخل المجتمع الباكستاني.
العمل من كتابة الأديبة والسيناريست عميرة أحمد، المعروفة بقدرتها على تفكيك العلاقات الإنسانية المعقدة بلغة درامية عميقة ومشحونة بالعاطفة، بينما تولّى إخراجه ميثم نقوي برؤية بصرية واقعية تستحضر أجواء التسعينيات بتفاصيلها الدقيقة؛ من الهواتف القديمة والأزياء الكلاسيكية إلى طبيعة الحياة الأسرية المحافظة، قبل أن ينتقل العمل زمنياً ليكشف كيف يمكن لقرار واحد خاطئ أن يترك أثره على حياة كاملة.
وتدور أحداث الدراما حول “زيبا”، التي تجسدها النجمة “صنم سعيد” ، وهي امرأة متعلمة تنتمي إلى عائلة ميسورة، تدخل الزواج بثقة وأحلام هادئة، لكنها تكتشف تدريجياً الوجه الحقيقي لزوجها “جمشيد”، الذي يؤدي دوره عماد عرفاني. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والنفسية، تتحول زيبا إلى العمود الحقيقي للأسرة، بينما يغرق زوجها في هشاشته النفسية وتقلباته الحادة وعدم قدرته على تحمّل المسؤولية.
غير أن العنصر الأكثر عمقاً وتميّزاً في العمل لا يكمن فقط في القصة، بل في رمزية عنوانه: “كفيل”.
فكلمة “كفيل” في الثقافة العربية والإسلامية تحمل دلالات تتجاوز الإنفاق المادي، إذ تشير إلى الإنسان الذي يمنح الأمان والرعاية والحماية النفسية والمعنوية لمن هم تحت مسؤوليته. ومن هنا جاءت عبقرية العنوان، إذ تحوّل إلى سؤال فلسفي واجتماعي يطرحه العمل على المشاهد:
من هو الكفيل الحقيقي داخل الأسرة؟
هل الكفيل هو الرجل الذي يملك المال فقط؟
أم الإنسان الذي يصون كرامة شريك حياته، ويحفظ مشاعره، ويمنحه الطمأنينة والاحترام؟
وفي قراءة أعمق لرمزية الاسم، يبدو أن اختيار عنوان “كفيل” لم يكن بعيداً عن الصورة الذهنية الراسخة في الوعي الشعبي الباكستاني تجاه مفهوم “الكفيل” المرتبط بنظام الكفالة والعمل في الخليج، ولا سيما في التجربة الاجتماعية المتداولة حول العلاقة غير المتوازنة بين الكفيل والمكفول. فالكثير من الأعمال والحوارات الشعبية في باكستان تربط الكفيل بصورة السلطة المطلقة التي قد تتحول أحياناً إلى أداة للهيمنة والتحكم وإهمال حقوق العمال.
ومن هذا المنظور، تبدو هذه الدراما وكأنها تُسقط هذا المفهوم رمزياً على العلاقة الزوجية داخل المنزل؛ حيث يتحول الزوج، بوصفه “الكفيل”، إلى شخصية تمارس السيطرة النفسية والعاطفية، بينما تعيش الزوجة دور “المكفول” الذي يُطلب منه الصبر والطاعة والتحمل دون مراعاة حقيقية لاحتياجاته الإنسانية والعاطفية. وهنا تكمن قوة النص، إذ ينقل مفهوم الكفالة من فضائه القانوني والاجتماعي إلى فضاء أسري شديد الحساسية، ليطرح نقداً لاذعاً لفكرة السلطة الذكورية حين تنفصل عن الرحمة و تتخلى عن المسؤولية.
ومن خلال هذه الفكرة، تعيد عميرة أحمد تعريف مفهوم الرجولة بعيداً عن الصورة التقليدية المرتبطة بالسلطة أو الإنفاق المادي، لتقدّم نموذجين متناقضين داخل الدراما:
الأب الحنون الذي يجسد معنى “الكفيل” الحقيقي بحكمته واحتوائه وإنسانيته وتحمل المسؤولية، في مقابل “جمشيد” الذي يفشل في أداء هذا الدور رغم كونه الزوج والمعيل المفترض.
وتكمن قوة النص أيضاً في أنه لا يقدّم المرأة بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها قادرة على حمل الأسرة بأكملها حين ينهار الرجل نفسياً وأخلاقياً. فـ“زيبا” تصبح المعيلة، والمربية، والسند العاطفي لأطفالها، في صورة مؤلمة لكنها واقعية لنساء كثيرات يعشن الظروف ذاتها بصمت في المجتمع الباكستاني.
على المستوى الفني، حظي أداء صنم سعيد بإشادات واسعة بفضل قدرتها على تجسيد التحولات الداخلية للشخصية عبر مراحل عمرية مختلفة، فيما قدّم عماد عرفاني أداءً معقداً لشخصية أثارت غضب المشاهدين وتعاطفهم في الوقت نفسه بسبب واقعيتها القاسية.
ورغم الانتقادات التي طالت بطء الإيقاع أو التوسع في بعض الخطوط الجانبية، فإن “كفيل” نجحت في ترسيخ نفسها كأحد أكثر الأعمال الاجتماعية تأثيراً، لأنها لا تكتفي بسرد قصة زواج مضطرب، بل تفتح نقاشاً عميقاً حول معنى المسؤولية، والاحترام، والاحتواء داخل الحياة الزوجية.
وفي النهاية، تبدو “كفيل” أكثر من مجرد دراما عائلية؛ إنها رسالة إنسانية تقول إن الكفالة الحقيقية لا تُقاس بحجم الدخل أو السلطة، بل بقدرة الإنسان على أن يكون ملاذاً آمناً لمن يحب.

