طهران… المستفيد الأكبر من الخلاف السعودي-الإماراتي

مركز إندس للدراسات الباكستانية-

في قلب الخليج، حيث كان التحالف السعودي-الإماراتي يُشكّل ركيزة الاستقرار العربي لأكثر من عقد، بدأت الشقوق تتسع علنًا. لم يعد الأمر مجرد خلافات خلف الكواليس حول حصص النفط أو النفوذ الإقليمي؛ بل تحول إلى مواجهة مباشرة في اليمن، وتنافس حاد في السودان والقرن الأفريقي، وتباين استراتيجي حول إسرائيل وإيران. والتوقيت؟ أسوأ ما يمكن تخيله: في زمن تشتعل فيه المنطقة بنار حرب إيرانية-أمريكية-إسرائيلية، وتلوح فيه تهديدات وجودية على الخليج بأكمله.

من الشراكة إلى الصدام: اليمن نقطة اللاعودة

كان التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن (2015) نموذجًا للتنسيق الخليجي. لكن الرؤى تباعدت تدريجيًا: الرياض تركز على مواجهة الحوثيين ووحدة اليمن لحماية حدودها، بينما ركزت أبوظبي على الموانئ والانفصاليين الجنوبيين (المجلس الانتقالي الجنوبي) لضمان مصالحها البحرية. في ديسمبر 2025، انفجر الوضع: تقدمت قوات مدعومة إماراتيًا في حضرموت والمهرة، قرب الحدود السعودية، في خطوة اعتبرتها الرياض “تهديدًا أحمر” لأمنها القومي. ردت السعودية بضربات جوية على شحنات أسلحة في ميناء المكلا، وأصدرت بيانًا نادرًا يندد بـ”سلوك خطير”، ثم أصدرت إنذارًا بانسحاب القوات الإماراتية. انسحبت أبوظبي، وسيطرت قوات موالية للرياض على الجنوب.
هذا ليس حادثًا معزولاً. الخلافات تمتد إلى السودان (دعم الإمارات لقوات الدعم السريع مقابل السعودية للجيش)، والصومال (دعم أبوظبي لصوماليلاند)، والتنافس الاقتصادي على الاستثمارات والمشاريع. بل إن الإمارات خرجت مؤخرًا من أوبك+، في خطوة أثارت غضب الرياض وكشفت عمق التباين حول سياسة النفط.

الامتداد الباكستاني: بعد جديد للتباعد
ولم تقتصر الارتدادات على الخليج والقرن الأفريقي. توقيع الاتفاقية الاستراتيجية المشتركة بين باكستان والسعودية أدى إلى حدوث تباعد دبلوماسي واضح بين إسلام آباد وأبوظبي. وهناك من يرى أن مطالبة الإمارات من باكستان بتسديد الوديعة الإماراتية خلال المدة المحددة تشير إلى الغضب الإماراتي تجاه السياسة الباكستانية في الخليج. رغم النفي الرسمي من الجانب الباكستاني حول وجود ضغوط سياسية أو خلافات مع الإمارات، إلا أن مبادرة السعودية بتقديم وديعة مالية جديدة لباكستان لتسديد الوديعة الإماراتية أثارت تساؤلات عميقة حول وجود خلافات سياسية بين إسلام آباد وأبوظبي. هذا التحول يعكس كيف أصبح التنافس الخليجي يمتد إلى شركاء تقليديين مثل باكستان، مما يُعقّد الديناميكيات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.

طهران: الذئب الذي يضحك آخرًا

في هذا السياق المشؤوم، لا يوجد مستفيد أكبر من طهران. إيران، التي تعاني من ضربات أمريكية-إسرائيلية، وجدت في الشقاق الخليجي فرصة ذهبية. تقارير تتحدث عن إبلاغ إيراني للسعودية بأنها تنوي “سحق” الإمارات، مستغلة الصدع لدق إسفين بين الرياض وأبوظبي.
إيران ضربت الإمارات بصواريخ وطائرات مسيرة أكثر من غيرها خلال التصعيد الأخير، في محاولة لتدمير صورتها كـ”ملاذ آمن” للاستثمارات والسياحة. في الوقت نفسه، تُروّج طهران لنفسها كوسيط أو بديل، مستفيدة من أي ضعف خليجي. الخلافات الخليجية تُضعف الجبهة الموحدة ضد الحوثيين (وكلاء إيران)، وتُشتت الجهود عن مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان، وتمتد آثارها حتى إلى باكستان كشريك استراتيجي. هذا ليس صدفة؛ إيران تاريخيًا تستغل الانقسامات العربية. اليوم، مع حرب مفتوحة، يصبح الشقاق السعودي-الإماراتي “هدية” استراتيجية لها.

مخاطر التصعيد: ليس وقت التنافس

الجرأة تقتضي قول الحقيقة: الخلافات مفهومة – الدول لها مصالح، والإمارات نجحت في نموذجها الاقتصادي الجريء، بينما السعودية تُعيد تشكيل نفسها بـ”رؤية 2030″. لكن التنافس يجب ألا يتحول إلى عداء يُقوّض الأمن الجماعي، خاصة مع امتداده إلى شركاء مثل باكستان. الخليج ليس غرفة واحدة فقط؛ هو مواجهة وجودية مع مشروع إيراني توسعي، وتحديات اقتصادية عالمية، ومخاطر أمنية مشتركة مثل مضيق هرمز.التوقيت مشؤوم لأنه يأتي وسط حرب إقليمية قد تُغير الخريطة. إذا استمر الصدام، قد يدفع كل طرف نحو تحالفات خارجية (بعضها مع إسرائيل أكثر، وبعضها مع الدبلوماسية الإيرانية)، مما يُفكك النسيج الخليجي ويُضعف الدور العربي.

دعوة للحكمة… قبل فوات الأوان

السعودية والإمارات قوتان عربيتان رائدتان: الأولى بثقلها التاريخي والديني، والثانية بديناميكيتها الاقتصادية. عودتهما إلى التنسيق ليست خيارًا؛ بل ضرورة وجودية. حوار جدي، بعيدًا عن الإعلام والتوترات العلنية، يمكن أن يُعيد بناء الثقة: اتفاق على اليمن الموحد، تنسيق في أفريقيا وباكستان، ورؤية مشتركة لمواجهة إيران دون استفزازات. الخليج ليس بحاجة إلى “فائز” و”خاسر” داخلي؛ بل إلى جبهة صلبة تحمي مصالح شعوبها. طهران تنتظر أن يستمر الشقاق لتكسب. هل سنمنحها ذلك، أم نُعيد كتابة السيناريو بيد عربية موحدة؟الوقت يضيق، والرهان كبير. الوحدة ليست رفاهية؛ بل هي سلاح البقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »